الفصل الأول: كيف توصل ملّر عن طريق نبوة دانيال أن مجيء المسيح سيكون عام 1843

قبل دراسة ادعاء ملّر يجب أن ننتبه أولاً أنه من الخطأ تحديد ميعاد لمجيء الرب ثانية لأن ذلك يخالف قول الرب نفسه الذي سبق وقال عن مجيئه "اسهروا إذاً لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم... لذلك كونوا أنتم أيضاً مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان" (مت 24: 42، 43) وقوله لتلاميذه بعد قيامته "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أعمال 1: 7).

الرب يريدنا أن نكون في حالة سهر دائم واستعداد دائم. فمنذ أيام يوحنا قال الرب "وها أنا آتي سريعاً وأجرتي معي..." (رؤ 22: 12). ومعنى كونه يأتي سريعاً، أن مجيئه لاختطاف المؤمنين متوقف على اكتمال عدد المؤمنين (عروس المسيح). أي عندما يؤمن آخر شخص لا يمكن أن الرب يتأخر لحظة واحدة.

بنى ملّر استنتاجه أن المسيح سيأتي سنة 1843 على النص القائل في (دانيال 8: 13، 14) "سمعت قدوساً واحداً يتكلم فقال قدوس واحد لفلان المتكلم، إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسين؟ فقال لي إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء فيتبرأ القدس".

لم يوضح ملّر معنى "تبرئة القدس" وقد افترض أن تتم تبرئة القدس المذكورة هنا برجوع المسيح إلى الأرض، وإقامة ملكه على الأرض وأن ال 2300 صباحاً ومساءً تعني 2300 سنة، وأن هذا الزمن يبدأ في نفس الوقت الذي بدأت فيه السبعون أسبوعاً المذكورة في (دانيال 9: 24، 25) أي عام 457 ق.م. أي العام الذي فيه سمح أرتحشستا ملك فارس بإعادة بناء أورشليم. والحساب هكذا 2300 – 457 (ق.م.) = 1843 (ب.م.) وياله من تخريف انتهى بتجديف.

والآن دعنا ندرس ما جاء في نبوة دانيال هذه:

لقد اقتبس ملّر نصّاً كتابياً (عدد 13، 14 من أصحاح 8 من سفر دانيال) ثم عزل هذه الأقوال ولم يربطها بالأقوال السابقة لها ثم استخدمها بعيداً عن قرينتها ليثبت تفسيراً بعيداً جداً عما يقصده الوحي الإلهي.

رأى دانيال هذه الرؤيا في السنة الثالثة من ملك بيلشاصر قرب نهاية الدولة البابلية: رأى قيام المملكة الثانية التي بعد بابل وهي "مادى وفارس" ممثلة بكبش له قرنان واحد أعلى من الآخر يشير إلى سيادة الجزء الفارسي على الجزء المادي، كما رأى سقوط مملكة فارس وقيام المملكة الثالثة (مملكة اليونان ممثلة بتيس معز جاء من الغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض إشارة لسرعة فتوحاته، فالإسكندر الأكبر في ظرف عشر سنوات فتح كل ممالك العالم المعروفة وقتئذٍ. ولما اعتز انكسر القرن العظيم (لأن الاسكندر مات وهو في منتهى قوته) وطلع عوضاً عنه أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الأربع، كناية عن أربع ممالك يونانية انقسمت إليها مملكة الاسكندر وهي: اليونان وتراقيا وسوريا ومصر. وما يهمنا الآن هو سوريا التي أسسها "سلوكوسي نيكاتور" سنة 312 ق.م. والتي قيل عنها ومن واحد منها خرج قرن صغير ( ع 9). وهذا يختلف عن القرن الصغير المذكور في (ص 7: 8). والقرن الصغير هذا يعرف في التاريخ باسم "أنطيوخوس الرابع" ولقب نفسه "أبيفانوس" أي الفخم، الذي ملك على سوريا من السنة 175 ق.م. إلى 164 ق.م. وكان متكبراً قاسياً. وقيل عنه في النبوة أنه عظم جداً نحو الجنوب (مصر) ونحو الشرق (أرمينيا) ونحو فخر الأراضي (فلسطين) إذ هجم على مصر سنة 169 ق.م. وانتصر عليها وفي عودته دخل أورشليم ونهب الهيكل ونجّس المذبح إذ رش عليه دم خنـزير وأصدر أوامره لليهود أن يتركوا ديانتهم ويعبدوا الآلهة اليونانية الوثنية. ومنع ختان الأطفال وذبح الأطفال الذين ختنوا وعلقهم في أعناق أمهاتهم. كما اضطهد جميع رؤساء اليهود وكل ذوي المكانة بينهم. هذه وقائع تاريخية مدونة في كتب التاريخ سبق وأنبأ عنها دانيال نبوياً في هذا الإصحاح. قيل في (ع 10) تعظم حتى إلى جند السموات وطرح بعضاً من الجند والنجوم إلى الأرض وداسهم (أي طرح بعضاً من ذوي الدرجات المختلفة وأذلهم بكل أنواع الذل) وحتى إلى رئيس الجند تعظم (رئيس الجند هو الرب يهوه نفسه) وبه أبطلت المحرقة الدائمة...فسمعت قدوساً واحداً (أي قديساً) يتكلم فقال قدوس (قديس) واحد لفلان المتكلم إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسين (ع 13) فقال لي إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء فتبرأ القدس" (ع 14).

السؤال في (ع 13) من جهة المحرقة الدائمة التي أبطلت وبذل القدس والجند مدوسين. والإجابة في (ع 14) عن المحرقة الدائمة ومتى تعاد مرة أخرى ويصير ممارستها كما كانت قبل إبطالها وتطهير القدس أي الهيكل الذي نجسه أنطيوخوس أبيفانوس عندما سكب دم خنـزير على المذبح. (Unto two thousand and three hundred evening and morning, then the sanctuary be cleansed)

المحرقة الدائمة:

بدأت المحرقة الدائمة بإقامة خيمة الاجتماع في البرية. ففي سفر الخروج (ص 29: 38 – 41) نقرأ "وهذا ما تقدمه على المذبح: خروفان حوليان كل يوم دائماً. الخروف الواحد تقدمة صباحاً والخروف الثاني تقدمه في العشية (مساء)... محرقة دائمة في أجيالكم عند باب خيمة الاجتماع أمام الرب".

ويرتبط بالمحرقة الدائمة إيقاد البخور على مذبح البخور الذهبي داخل القدس كما قيل "فيوقد عليه هرون بخوراً عطراً كل صباح حين يصلح السرج يوقده. وحين يصعد هرون السرج (أي يضيء المنارة الذهبية) في العشية (مساء) يوقده بخوراً دائماً أمام الرب في أجيالكم. والمحرقة المسائية أو الذبيحة المسائية يصير اصعادها في الساعة التاسعة مساء (بالتوقيت اليهودي) إشارة إلى عمل المسيح الكامل على الصليب، العمل الذي أكمله بموته في الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة (ساعة اصعاد المحرقة الدائمة المسائية) صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني! (صرخة الكفارة عن خطايانا)... فصرخ يسوع أيضاً بصوت عظيم وأسلم الروح. وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل" من فوق أي من الله – الذي صالحنا لنفسه "ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه يسوع المسيح" _2كو 5: 18). وإذ انشق الحجاب لم يعد هناك مسكن أول ومسكن ثانٍ (عب 9: 2، 7). ويسجل لنا يوحنا في إنجيله الذي يتكلم بصفة خاصة عن المسيح باعتباره الابن الأزلي، يسجل لنا أنه قبل أن يسلم الروح أي بعد إكمال عمل الكفارة على الصليب قال "قد أكمل" (يو 19: 30).

إن الكلمة التي قالها المسيح على الصليب "قد أكمل" كانت في الساعة التاسعة أي ساعة إصعاد المحرقة الدائمة المسائية. وكانت تسمى "ساعة الصلاة التاسعة" (أع 3: 1) وهي الساعة التي صلّى فيها إيليا النبي عندما واجه أنبياء البعل (1 مل 18: 29)، والتي فيها صلّى دانيال صلاته المشهورة (دا 9: 21) وكذلك عزرا (عز 9: 5) ومن هنا نفهم أهمية المحرقة الدائمة باعتبارها رمزاً لعمل المسيح الكامل على الصليب. وقد صلّى داود قائلاً "لتستقم صلاتي كالبخور قدامك. ليكن رفع يديّ كذبيحة مسائية" (مز 141: 2).

هذه المحرقة الدائمة أبطلها أبيفانوس سنة 168 ق.م. عندما نجّس الهيكل وسكب دم خنـزير على المذبح، واضطهد اليهود اضطهاداً مرّاً وقد قاومه رجال أبطال أمناء بزعامة متثياوس وأولاده وأشهرهم يهوذا المكابي الذي لقب بالمكب (المطرقة) لأنه تحصن في الجبال وكان ينـزل على الأعداء كالمطرقة فهزمهم وانتصر انتصاراً كاملاً على جيوش أنطيوخوس بعد حرب مريرة استمرت ثلاث سنوات من سنة 168ق.م. إلى سنة 165 ق.م. وبعد انتصاره قام بتطهير الهيكل وأقام مذبحاً جديداً لإصعاد المحرقة الدائمة. هذه حقائق تاريخية دونها المؤرخون كما دوّنت في سفر المكابيين الأول حيث نقرأ "وفي اليوم الخامس عشر من الشهر التاسع وهو شهر كسلو (يقابل شهر ديسمبر) قدّموا ذبيحة بحسب الشريعة على المذبح الجديد الذي صنعوه في مثل الوقت الذي فيه داسته الأمم. في ذلك اليوم دشّن بالأناشيد والعيدان والقيثارات والصنوج فخرّ جميع الشعب وسجدوا للذي أنجحهم وباركوه إلى السماء. وأتموا تدشين المذبح (مذبح المحرقة) في ثمانية أيام... ورسم يهوذا وإخوته وجماعة اسرائيل كلها أن يعيّدوا لتدشين المذبح في وقته سنة فسنة مدة ثمانية أيام من اليوم الخامس والعشرين من شهر كسلو بسرور وابتهاج" (راجع سفر المكابيين الأول فصل 4 أعداد من 52 – 59). وهذا هو عيد التجديد المذكور في انجيل يوحنا (ص 10: 22).

ربما أطلنا بعض الشيء في الكلام عن المحرقة الدائمة، أولاً بسبب أهميتها وثانياً لكي نثبت أنه لم يحدث قط أن أبطلت المحرقة الدائمة منذ بناء الهيكل بواسطة زربابل والذي تم بناؤه سنة 515 ق.م. إلا في الفترة من سنة 168 ق.م إلى سنة 165 ق.م. وبالأسف فإن ملّر رائد السبتيين يعتبر أبطالها من تاريخ خروج الأمر لبناء أورشليم سنة 457 ق.م. وهذا خطأ جسيم (خطأ من صنع الشيطان) لأن أرتحشستا ملك فارس وهو الذي أمر ببناء أورشليم سنة 455 ق.م. كان صديقاً لليهود وأمر بصرف أخشاب لبناء المدينة على نفقة الملك (انظر نحميا ص2: 1 – 8) وسنة 455 ق.م. هي بداية السبعين أسبوعاً لدانيال (دا 9: 25).

أما مسالة ال 2300 صباح ومساء فليست هي أياماً وليست هي سنيناً بل هي عدد المحرقات الصباحية والمسائية التي تعطل تقديمها على مدى 1150 يوماً بواقع محرقتين يومياً صباحاً ومساءً أو كما جاء في سفر الخروج (ص 29: 38) "خروفان حوليان كل يوم دائماً".

وما جاء في سفر دانيال لهو في الحقيقة في منتهى الوضوح والسهولة والأقوال ليس فيها غموض على الإطلاق وهذا التفسير عرفه وفهمه جميع الدارسين للكتاب المقدس ولا يوجد خلاف بينهم. وقد كتب عنه "كالفن" المصلح الفرنسي في القرن السادس عشر، الذي قال عن فترة لإبطال المحرقة الدائمة وبذل الجند مدوسين (أي الكهنة الذين كانوا يخدمون يومياً في الهيكل) قال أنها تشير إلى الاضطهادات التي وقعت على اليهود في زمن أنطيوخوس إبيفانوس، القرن الصغير الذي قام على أنقاض الإمبراطورية المكدونية والوعد بإقامة عبادتهم في زمن المكابيين عام 165 ق.م. (عظات كالفن جزء 41 صفحة 108، 499).

وجاء في تفسير (Walter Scott) في كتابه Bible Hand Book في بداية شرحه للعهد الجديد في أقواله عن (الربط التاريخي بين العهد القديم والعهد الجديد) متتبعاً باختصار تاريخ اليهودية تحت الحكم الفارسي والحكم اليوناني في كلامه عن خلفاء الاسكندر عند الكلام عن أنطيوخوس أبيفانوس الرابع المضطهد الرهيب لليهود، ذكر أن الحوادث التي أنبأ عنها دانيال النبي (دا 8: 9 – 15) هي عن أنطيوخوس أبيفانوس وأن ال 2300 صباح ومساء هي المحرقات الصباحية والمسائية التي تعطلت على مدى 1150 يوماً، كانت في الفترة بين سنة 168 ق.م. 165 ق.م. (راجع والتر سكوت صفحة 24 العهد الجديد).

  • عدد الزيارات: 4709

إشترك في المراسلات

تابعونا



لا يسمح أن يعاد طبع أي من منشورات هذا الموقع لغاية البيع - أو نشر بأي شكل مواد هذا الموقع على شبكة الإنترنت دون موافقة مسبقة من الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل
الرجاء باسم المسيح التقيّد بهذه التعليمات والتقيد بها -- للمزيد من المعلومات
© Kalimat Alhayat a ministry of Arabic Bible Outreach Ministry - All rights reserved
تطبيق كلمة الحياة
Get it on Google Play
إلى فوق