الفصل الثالث - الرجال الذين قالوا للملك "لا"

لا استقرار للمؤمن على هذه الأرض.

إنه كالحمامة التي أرسلها نوح من الفلك "فلم تجد الحمامة مقراً لرجلها" 0تكوين 8: 9).

لقد رأينا الرجال الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو في ختام الإصحاح الثاني وقد وصلوا إلى أعظم المناصب "فطلب دانيال من الملك فولى شدرخ وميشخ وعبدنغو على ولاية بابل" (دانيال 2: 49) ولقد يخيل إلينا أنهم بهذا استقروا ونجحوا أعظم النجاح كغرباء في ولاية بابل، وأصبحوا في حمى من المتاعب والأخطار.

لكن الأخطار سعت إليهم، وهذه هي حياة المؤمن على الأرض وأخرى في قلب الأتون المتقد بالنار.. فلا استقرار للمؤمن في حياته على الأرض.

لكن الخطر الذي سعى إلى هؤلاء الرجال لم يكن من صناعتهم، ولا كان من سوء تصرفهم، ولا كان نتيجة خطاياهم.. لقد كان بتدبير الشيطان. [اقرأ 1 بطرس 4: 15- 16- 19].

وحياة المؤمن على الأرض حياة صراع مع قوات الظلام "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم عل ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أفسس 6: 12).

وهكذا جاءت الأخطار تسعى إلى هؤلاء الرجال المؤمنين الأمناء.


التمثال الذهبي

"نبوخذ نصر الملك صنع تمثالاً من ذهب طوله ستون ذراعاً وعرضه ست أذرع ونصبه في بقعة دورا في ولاية بابل" (دانيال 3: 1).

لقد أعلن الله لنبوخذ نصر في التمثال المعدني الذي رآه في حلمه إن مملكته هي الرأس من ذهب، وإنه بعد زوال الإمبراطورية البابلية ستأتي إمبراطوريات أخرى أصغر منها شبهها بالفضة، والنحاس والحديد، وخزف الطين. وكان على نبوخذ نصر أن يقبل الخطة الإلهية لأزمنة الأمم، لكنه بدلاً من الخضوع للخطة الإلهية أراد أن يقنع نفسه بأن مملكته ستبقى إلى الأبد، ولذا صنع تمثالاً يختلف عن التمثال الذي رآه في حلمه والذي كان من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخزف.. لقد صنع التمثال كله من ذهب متحدياً بذلك مشيئة الله متخيلاً بقاء الإمبراطورية البابلية إلى الأبد. وبغير شك أن قصده من صنع هذا التمثال كان أن يوحد شعوب مملكته حول عبادة واحدة هي عبادة التمثال الذهبي، أو حول عبادته هو لأنه صانع هذا التمثال.


الأمر الملكي

"ثم أرسل نبوخذ نصر الملك ليجمع المرازبة والشحن والولاة والقضاة والخزنة والفقهاء والمفتين وكل حكام الولايات ليأتوا لتدشين التمثال الذي نصبه نبوخذ نصر الملك. حينئذ اجتمع المرازبة والشحن والولاة والقضاة والخزنة والفقهاء والمفتون وكل حكام الولايات ليأتوا لتدشين التمثال الذي نصبه نبوخذ نصر الملك ووقفوا أمام التمثال الذي نصبه نبوخذ نصر. ونادى منادٍ بشدة قد أُمرتم أيها الشعوب والأمم والألسنة. عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف أن تخروا وتسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذ نصر الملك. ومن لا يخر ويسجد ففي تلك الساعة يُلقى في وسط أتون نار متقدة. لأجل ذلك وقتما سمع كل الشعوب صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير وكل أنواع العزف خر كل الشعوب والأمم والألسنة وسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذ نصر الملك" (دانيال 3: 2- 7).

عندما صنع نبوخذ نصر التمثال الذهبي، أعلن بهذا عن مدى حماقته.. لقد أعلن الله له مجده في الحلم الذي أعطاه إياه، وعرف نبوخذ نصر أنه إله الآلهة ورب الملوك، لكنه بدلاً من أن يوجه شعبه لعبادة الإله الحي، طالبهم بالسجود لتمثال صنعه الإنسان.

وأولئك الذين أطاعوا أمر نبوخذ نصر كانوا بلا عذر كما قال بولس الرسول "لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره الغير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعموا أنهم حكماء صاروا جهلاء. وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" (رومية 1: 18- 23).

إن عبادة الإنسان للأصنام تؤكد مدى عمى الإنسان، وحماقته وظلام قلبه كما يقول أشعياء النبي "قطع لنفسه أرزاً وأخذ سندياناً وبلوطاً.. يأخذ منه ويتدفأ.. ثم يصنع إلهاً فيسجد. قد صنعه صنماً وخر له. نصفه أحرقه بالنار. على نصفه يأكل لحماً.. وبقيته قد صنعها إلهاً صنماً لنفسه يخر له ويسجد ويصلي إليه ويقول نجني لأنك أنت إلهي. لا يعرفون ولا يفهمون لأنه قد طمست عيونهم عن الإبصار وقلوبهم عن التعقل. ولا يردد في قلبه وليس له معرفة ولا فهم حتى يقول نصفه قد أحرقت بالنار وخبزت أيضاً على جمره شويت لحماً وأكلت. أفأصنع بقيته رجساًً ولساق شجرة أخرى. يرعى رماداً. قلب مخدوع قد أضله فلا ينجي نفسه ولا يقول أليس كذب في يميني" (أشعياء 44: 14- 20).

لقد أعلن نبوخذ نصر الملك بصنعه التمثال الذهبي عن مدى حماقته وظلام قلبه.

ونرى مدى التضاد بين الديانة الإلهية وديانة الإنسان. فالله يجذب الإنسان نحوه بالحب "نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً" (1 يوحنا 4: 19) أما الديانة التي من صنع الإنسان أو من وحي الشيطان فهي تقوم على الخوف وتنتشر بالتهديد بالموت. وهكذا كانت ديانة نبوخذ نصر (دانيال 3: 6).

ولقد جمعت ديانة نبوخذ نصر حولها قادة مملكته وعظمائها (دانيال 3: 3)، وكانت ديانة جذابة اتصفت بالإثارة، وإشباع ميول الإنسان إذ ارتبطت بالموسيقى الصاخبة، (دانيال 3: 5)ولكنها مع هذا كله تأسست على التهديد بالحرق في أتون النار لمن لا يسجدون للتمثال وبهذا أعطت السلطة الزمنية الحكومية مكان الله الديان العادل، الذي سيدين الناس حين يقفون أمام عرشه الأبيض العظيم ويطرح غير المؤمنين والعصاة في بحيرة النار المتقدة بالكبريت.

وكل ديانة من صنع الشيطان أو الإنسان هي محاولة لتقليد الله.


الولاء للناموس الإلهي

خضعت الأغلبية الساحقة للأمر الملكي وسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذ نصر الملك. والطريق المؤدي إلى الهلاك هو طريق الأغلبية الساحقة في كل مكان كما يقول الرب يسوع في كلماته "ادخلوا من الباب الضيق. لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك. وكثيرون الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة. وقليلون الذين يجدونه" (متى 7: 13- 14). لكن أقلية أمينة احتفظت بولائها لله ولناموسه ورفضت عبادة التمثال. كانت هذه الأقلية مكونة من أبطال الإيمان الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو.

"لأجل ذلك تقدم حينئذ رجال كلدانيون واشتكوا على اليهود. أجابوا وقالوا للملك نبوخذ نصر أيها الملك عش إلى الأبد. أنت أيها الملك قد أصدرت أمراً بأن كل إنسان يسمع صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف يخر ويسجد لتمثال الذهب. ومن لا يخر ويسجد فإنه يلقى في وسط أتون نار متقدة. يوجد رجال يهود الذين وكلتهم على أعمال ولاية بابل شدرخ وميشخ وعبدنغو. هؤلاء الرجال لم يجعلوا لك أيها الملك اعتباراً. آلهتك لا يعبدون ولتمثال الذهب الذي نصبت لا يسجدون" (دانيال 3: 8- 12).

لماذا اشتكى هؤلاء الرجال الكلدانيون على شدرخ وميشخ وعبدنغو؟

بغير شك إن دافع شكواهم كان الحسد، والحسد يعني تمني زوال النعمة عن الشخص المحسود وتحولها إلى الشخص الحسود.

لقد حسد هؤلاء الكلدانيون شدرخ وميشخ وعبدنغو على المركز المرموق الذي وصلوا إليه، وتمنوا زوال هذه النعمة عنهم وتحولها إليهم، لذلك فتحوا عيونهم بحثاً عن ثغرة يهدمون منها شدرخ وميشخ وعبدنغو.

وعيون الأشرار مفتوحة دائماً تبحث عن خطأ في حياة الأبرار. وشر الأشرار يظهر ببشاعته في كيدهم للأبرار. وهكذا اشتكى الكلدانيون الأشرار على الرجال الأبرار، ووضعوا شكواهم في ألفاظ اختاروها لإثارة غضب الملك إلى أقصى مداه.

"هؤلاء الرجال لم يجعلوا لك أيها الملك اعتبارا آلهتك لا يعبدون ولتمثال الذهب الذي نصبت لا يسجدون" (دانيال 3: 12).

          لقد استخدموا الدين في شكواهم.

ولقد طالما استخدم الدين في الكيد للقديسين.

"حينئذ أمر نبوخذ نصر بغضب وغيظ بإحضار شدرخ وميشخ وعبدنغو. فأتوا بهؤلاء الرجال قدام الملك. فأجاب نبوخذ نصر وقال لهم . تعمداً يا شدرخ وميشخ وعبدنغو لا تعبدون آلهتي ولا تسجدون لتمثال الذهب الذي نصبت" (دانيال 3: 13- 14).

لماذا غضب الملك واغتاظ؟

هل كان غضبه وغيظه دفاعاً عن إلهه؟! إذاً فهو إله ضعيف، لأن الإله الذي يحتاج إلى البشر للدفاع عنه والقتال في سبيله لا يمكن أن يكون إلهاً قوياً.

عندما هدم جدعون مذبح البعل الذي لأبيه، وجاء أهل المدينة يطالبون أباه يوآش بأن يخرجه إليهم ليموت، كان رد يوآش عليهم رداً منطقياً "أنتم تقاتلون للبعل.. من يقاتل له يقتل في هذا الصباح. إن كان إلهاً فليقاتل لنفسه لأن مذبحه قد هدم" (قضاة 7: 31).

إن الله الحي الحقيقي يقاتل عن رعيته، ولما خرج فرعون يسعى وراء شعبه في القديم بجيشه القوي، وخاف الشعب. قال لهم موسى "لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم.. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خروج 14: 13- 14).

لكن التمثال الذي صنعه نبوخذ نصر الملك كان أعجز من أن يدافع عن نفسه لأنه كان مجرد تمثال مصاغ من الذهب، لذلك كان لابد أن يدافع عنه صانعه.

ولعل نبوخذ نصر غضب واغتاظ لأنه لم يكن يتصور باعتباره ملكاً أوتوقراطياً إن هناك إنساناً على الأرض يمكن أن يتحدى أمره.


الباب الشيطاني

فتح الملك باباً للرجال الثلاثة لنجاتهم فقال لهم "فإن كنتم الآن مستعدين عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف إلى أن تخروا وتسجدوا للتمثال الذي عملته. وإن لم تسجدوا ففي تلك الساعة تلقون في وسط أتون النار المتقدة. ومن هو الإله الذي ينقذكم من يدي" (دانيال 3:15).

انفتح باب للنجاة أمام شدرخ وميشخ وعبدنغو، وكان في إمكانهم أن يتلاعبوا وينجوا من النار المتقدة لو أرادوا التلاعب. كان في إمكانهم أن يقولوا إن هذا الملك طيب القلب فتح لنا باب للنجاة وأقل ما نرده له تقديراً لشفقته هو أن نخر ونسجد للتمثال. وكان في إمكانهم أن يقولوا "الكلب الحي خير من الأسد الميت". وكان في إمكانهم أن يقولوا لقد رفضنا في البداية السجود لتمثال الذهب، ولكن مادام الملك فتح لنا هذا الباب، فهذا ترتيب الله...

لكن شدرخ وميشخ وعبدنغو لم يتلاعبوا، ذلك لأنهم كانوا في خدمة الله أولاً وفي خدمة الملك ثانياً. وذلك أيضاً لأنهم سمعوا الملك يتحدى إلههم الحي بكلماته "ومن هو الإله الذي ينقذكم من يدي" وتذكروا أنها كلمات مشابهة لكلمات فرعون لموسى حين طالبه موسى بإطلاق شعب الله في القديم فقال فرعون لموسى "من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أطلقه" (خروج 5: 2).

واشمئز الرجال الثلاثة من هذا التحدي الذميم.

وأدركوا أن الباب الذي فتحه الملك لهم هو في حقيقته فخ الشيطان فليس الباب المفتوح دائماً من الله [اقرأ صموئيل الأول 24: 4]


الرفض البطولي

"فأجاب شدرخ وميشخ وعبدنغو وقالوا للملك. يا نبوخذ نصر لا يلزمنا أن نجيبك على هذا الأمر. هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك. وإلا فليكن معلوماً لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته" (دانيال 3: 16- 18).

هؤلاء هم أبطال الإيمان الذين قالوا للملك "لا"

"لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر" (دانيال 3: 16).

"لا نعبد آلهتك" (دانيال 3: 18).

"لا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته" (دانيال 3: 18).

وعلى كل مؤمن أن يتعلم أن يقول "لا" لكل إغراء يريد أن يدفعه لارتكاب الشر. فالرجال والنساء العظماء هم الذين قالوا "لا" في الوقت الذي كان يجب أن يقولوها فيه، ورضوا مختارين أن يتعرضوا للخطر، وأن يقوموا بتضحيات جسام لأنهم قالوا بعزم وإصرار "لا".

*وأول من نقابلهم من هؤلاء العظماء هو يوسف الذي قال "لا" لإغراء الخطية الجنسية التي تجسمت في محاولات امرأة فوطيفار.

كان يوسف عبداً في بيت فوطيفار، وكان حسن الصورة وحسن المنظر، واشتهته زوجة سيده.. اشتهت شبابه، وظلت تطارده ليخضع لها، وأوقحت وجهها وقالت له "اضطجع معي" (تكوين 39: 7).

لكن يوسف قال بكل إصرار "لا" قال:

" كيف أصنع كل هذا الشر العظيم وأخطىء إلى الله" (تكوين 39: 9).

ولما ازداد إلحاحها عليه، ويقيناً أنه كان إلحاحاً مغرياً استخدمت فيه كل جاذبية أنوثتها، ووصلت لدرجة أن أمسكته بثوبه قائلة "اضطجع معي" .. "ترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى الخارج" (تكوين 39: 12).

وادعت المرأة الساقطة أن يوسف حاول اغتصابها. واشترى زوجها ادعائها ووضع يوسف في بيت السجن.

لم يتلاعب يوسف مع الخطية الجنسية.. ولم يحاول أن يجد لنفسه مبررات لارتكابها وهو بعيد عن أهله.ز وهو عبد في بيت فوطيفار.. وارتضى أن يدفع ثمن طهارته.. "آذوا بالقيد رجليه. في الحديد دخلت نفسه" (مزمور 105: 18) "مررته ورمته واضطهدته أرباب السهام" (تكوين 49: 23).. لكن جاء الوقت الذي فيه كافأه إله السماء العادل " أرسل الملك فحلّه. أرسل سلطان الشعب فأطلقه. أقامه سيداً على بيته ومسلطاً على كل ملكه. ليأسر رؤساء حسب إرادته ويعلم مشايخه حكمة" (مزمور 105: 20- 22).

*ثم يأتي في موكب الذين قالوا "لا" موسى النبي العظيم. قال "لا" للمجد الفرعوني، ولخزائن مصر الغنية، وللتمتع الوقتي بالخطية..

"بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون. مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية. حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر لأنه كان ينظر إلى المجازاة" (عبرانيين 11: 24- 26).

ولم يكن نطقه بكلمة "لا" أمراً سهلاً.. لقد كان يعني أن يقطع بعمق وقسوة كل العواطف التي جاشت في قلبه من نحو ابنة فرعون.. أن يقف موقف الجحود أمام حبها، وأمام الملجأ الذي وجده في بيتها ، وأمام العلم الذي هذبته به، لقد كان معنى أن يقول "لا" أن يضحي بحضارة مصر وحكمتها،وغناها، ومجدها. وأن يقبل حياة العبودية، والمرارة التي عاشها شعبه الذليل. ومع علمه بهذه التضحيات الغالية قال بإصرار رائع لكل ما أحاط به من إغراء للحياة السهلة الهنية المليئة بالتمتع "لا".

* ونلتقي في موكب هؤلاء العظماء بالملكة "وشتى" زوجة الملك أحشو يرش الذي ملك من الهند إلى كوش على مئة وسبع وعشرون كورة. وهذه المرأة العظيمة نساها الكثيرون.. لكنها كانت من العظمة بحيث قالت للملك زوجها "لا".. قالتها لأنها رفضت مهانة الجسد الأنثوي.

والقصة تبدأ بمهرجان يعده الملك احشو يرش في السنة الثالثة من ملكه لإظهار غنى مجد ملكه. وقد استمر هذا المهرجان مئة وثمانين يوماً.. وخلال المهرجان، وكانت الخمر عنصر أساسياً فيه، وشرب المدعوون بكثرة، سكر الملك وقال للذين يخدمون بين يديه "أن يأتوا بوشتى الملكة أمام الملك بتاج الملك ليرى الشعوب والرؤساء جمالها لأنها كانت حسن المنظر" (استير 1: 11) وأراد الملك السكران أن يستعرض جمال زوجته أمام السكارى.. وقالت الملكة وشتى "لا". "فأبت الملكة وشتى أن تأتى حسب أمر الملك عن يد الخصيان" (استير 1: 12) ودفعت لرفضها البطولي ثمناً فادحاً إذ خلعها الملك من ملكها.. لكن الله استخدم هذا الرفض العظيم ليفتح الطريق لأستير حتى تنقذ شعبها من يد هامان الذي يمكن أن نسميه "أدولف هتلر" ذلك الزمان.

*وقد مر بنا في موكب القائلين "لا" دانيال، الذي "جعل في قلبه أنه لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه فطلب من رئيس الخصيان أن لا يتنجس" (دانيال 1: 8).

لقد قال الرجال الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو "لا" للملك نبوخذ نصر، فما هي العناصر التي أعطتهم الشجاعة ليقولوا "لا" في هذا الموقف العصيب؟

* كان أول عنصر وراء شجاعتهم التي يجب أن تكون صفة كل مؤمن بالرب يسوع هو معرفته اليقينية لوصية الله وتصديقها، وعزمهم على طاعتها مهما كلفهم الأمر.

ولقد عرفوا أن وصية الله يقول " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي. وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي" (خروج 20: 1- 6).وقرر الرجال الثلاثة طاعة هذه الوصية، ورفضوا أمر الملك نبوخذ نصر.

*وكان العنصر الثاني وراء شجاعتهم هو أنهم قالوا "لا" في موقف سابق أقل خطراً من هذا الموقف الصعب. قالوا "لا" لأطايب الملك ولخمر مشروبه لأنهم عرفوا أن هذه الأطايب كانت من تقدمات الأوثان ولم يريدون أن يكونوا شركاء شياطين (دانيال 1: 8- 16) فكان من السهل أن يقولوا "لا" أمام الأمر بالسجود للصنم الذهبي .. ومن يعرف أن يقول "لا" للتجارب الصغيرة سيقول "لا" للتجارب الكبيرة.

*وكان العنصر الثالث وراء شجاعتهم هو عبادتهم القلبية للإله الحي. لقد قالوا للملك نبوخذ نصر "هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده" (دانيال 3: 17) وحين يعيش المؤمن في شركة قوية مع الله فلن يخشى وجوه الطغاة. وهنا نجد في كلمات هؤلاء الرجال كلمة جديرة بالتأمل "هوذا يوجد إلهنا".. فالله بالنسبة لشدرخ وميشخ وعبدنغو لم يكن إلهاً بعيداً، جالساً على عرشه في السماء وحوله ملائكته.. لا يعبأ ولا يفكر في الساكنين على الأرض. بل كان هذا الإله القوي القادر هو "إلههم" "هوذا يوجد إلهنا".. هو صاحب السيطرة الكاملة على حياتنا لأنه "إلهنا".. القريب منا.. العارف ظروفنا.. الذي به نحيا ونتحرك ونوجد (أعمال 17: 27- 28).

والحياة بإحساس قرب الله تعطي للمؤمن شجاعة غير عادية.. لقد كان سر القوة في حياة إيليا النبي هو وقوفه الدائم في حضرة الرب. أسمعه مرة يقول "حي هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه" (1 ملوك 17: 1) ثم يقول في مناسبة أخرى "حي هو الرب الذي أنا واقف أمامه" (1 ملوك 18: 15) لقد وقف في حضرة الرب، وتلذذ بوقفته فاستمر واقفاً في محضره، ومن هنا كان سر شجاعته وتحدياته للملك آخاب ولأنبياء البعل.

* وكان العنصر الرابع وراء شجاعتهم هو معرفتهم اليقينية بطبيعة إلههم " بدء الحكمة مخافة الرب ومعرفة القدوس فهم" (أمثال 9: 10). لقد عرفوا أن الله قدوس منفصل عن الشر، وأنه إله غيور لا يقبل أن يشاركه أحد في مجده.

لم يطلب الملك نبوخذ نصر من هؤلاء الرجال أن يكفوا عن عبادة إلههم كل ما طلبه هو أن يعبدوا مع إلههم آلهته ويسجدو لتمثال الذهب الذي نصبه.

لكن الرجال الثلاثة كانوا يعرفون جيداً أسفار العهد القديم وبغير شك أنهم تذكروا ما قرأوه في سفر صموئيل الأول حين انتصر الفلسطينيون على العبرانيين وأخذوا منهم تابوت الله وأدخلوه إلى بيت داجون إلههم وأقاموا بقرب داجون ظانين أن الإله الحي الحقيقي لا يمانع أن يكون في مكان واحد مع الأصنام.. لكن الإله القدوس ساكن السماء لا يسكن مع الأوثان "وبكر الأشدوديون في الغد وإذا بداجون ساقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب. فأخذوا داجون وأقاموه في مكانه. وبكروا صباحاً في الغد وإذا بداجون ساقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب. ورأس داجون ويداه مقطوعة على العتبة. بقي بدن السمكة فقط" (1 صموئيل 5: 1- 4).

ولقد عرف شدرخ وميشخ وعبدنغو أنه لا يمكنهم أن يعبدوا مع الله التمثال الذهبي الذي نصبه نبوخذ نصر. عرفوا أن قلب المؤمن يختلف عن قلب الأثيم، فقلب المؤمن قصر ملكي يسكنه الروح القدس، أما قلب الأثيم فهو فندق مفتوح على مصراعيه لكل الآلهة الغريبة. ورفضوا السجود للتمثال.

*وكان العنصر الخامس لشجاعتهم وتحديهم لأمر الملك هو استعدادهم للموت في طاعة إلههم عن الحياة في عصيانه. قالوا للملك نبوخذ نصر "يا نبةخذ نصر لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر. هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك. وإلا فليكن معلوماً لك أيها الملك  أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته" (دانيال 3: 16- 18) وكلمة "وإلا" مترجمة في الانجليزية "But if not" ومعناها "حتى إذا لم ينقذنا" " فليكن معلوماً لك أيها الملك  أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته".

لقد كانوا مستعدين للموت في طاعتهم لكلمة الرب وولائهم الكامل لشخصه، وكان هذا الاستعداد هو سر قوتهم ونصرتهم، كما يقول يوحنا الرسول عن الذين غلبوا الشيطان "وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" 0رؤيا 12: 11).

يحتفظ لنا التاريخ بقصة حدثت في حياة يوحنا الذهبي الفم "John Chrysostom " كان هذا الرجل أحد الآباء العظماء في الكنيسة اليونانية، ولقد ولد سنة 347 ميلادية. وأحضروه أمام الإمبراطور في شبابه الباكر ليعطي جواباً عن إيمانه بالمسيح.

قال الإمبراطور ليوحنا ذهبي الفم: "إذا أصررت على إيمانك بالمسيح فسأنفيك من أرض أبيك".

أجاب الذهبي الفم "يا صاحب الجلالة، ليس في قدرتك أن تفعل هذا لأن العالم كله هو أرض أبي".

          قال الإمبراطور: "إذاً فسآخذ منك كل ممتلكاتك". أجاب يوحنا كريستم "ولن تستطيع ذلك أيضاً. لأن كنوزي كلها في السماء".

          قال الإمبراطور: "إذاً سأرسلك إلى مكان لن تجد فيه صديقاً تتحدث إليه".

          أجاب كريستم: "لن تستطيع هذا لأن لي صديق ألزق من الأخ، سيكون يسوع صديقي وفادي معي على الدوام".

          قال الإمبراطور: "سأحكم عليك بالإعدام.. سأحرمك الحياة".

قال كريستم: "وهذا أيضاً لن تستطيعه. لأن حياتي مستترة مع المسيح في الله".

بهذا الاستعداد للموت في طاعة الله غلب الغالبون.

         *وكان العنصر السادس وراء شجاعتهم هو وضع القوة الزمنية الحاكمة في مكانها الصحيح. إن على المؤمن أن يخضع للسلطة الزمنية "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. لأنه ليس سلطاناً إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رومية 13: 1- 2) لكن حين يأمر "السلطان" أمراً يضاد مشيئة الله المعلنة في كلمته فهنا توضع سلطة الله فوق سلطة الإنسان.

لما أمر المجلس اليهودي الذي انعقد في أورشليم الرسولين بطرس ويوحنا "أن لا ينطقا البتة ولا يعلما باسم يسوع" (أعمال 4: 18) أجابهم بطرس ويوحنا وقالا "إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكموا" (أعمال 4: 19).

وفي مناسبة أخرى أجاب بطرس والرسل المجمع اليهودي وقالوا "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أعمال 5: 29).

هذا هو المبدأ الذي أعطى الشجاعة للرجال الثلاثة، سلطة الله فوق سلطة الناس.

* العنصر السابع وراء شجاعة هؤلاء الرجال هو الإيمان في قدرة الله. تركت هذا العنصر إلى النهاية لأنه وراء كل العناصر السابقة، فالإيمان هو العنصر الفعال في حياة النصرة. ويتحدث كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن هذا العنصر الذي منه تنسج كل العناصر فيقول "وماذا أقول أيضاً لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود والأنبياء. الذين بالإيمان قهروا ممالك. أطفأوا قوة النار" (عبرانيين 11: 32- 34).

لقد آمن هؤلاء الرجال بأن إلههم الحي يستطيع أن ينجيهم من أتون النار المتقدة وأن ينقذهم من يد الملك.

أثار هذا التحدي العلني الجريء غيظ الملك.

"حينئذ امتلأ نبوخذ نصر غيظاً وتغير منظر وجهه على شدرخ وميشخ وعبدنغو فأجاب وأمر بأن يحموا الأتون سبعة أضعاف أكثر مما كان معتاداً أن يحمي وأمر جبابرة القوة في جيشه بأن يوثقوا شدرخ وميشخ وعبدنغو ويلقوهم في أتون النار المتقدة. ثم أوثق هؤلاء الرجال في سراويلهم وأقمصتهم وأرديتهم ولباسهم وألقوا في وسط النار المتقدة. ومن حيث إن كلمة الملك شديدة والأتون قد حمي جداً قتل لهيب النار الرجال الذين رفعوا شدرخ وميشخ وعبدنغو. وهؤلاء الثلاثة الرجال شدرخ وميشخ وعبدنغو سقطوا موثقين في وسط أتون النار" (دانيال 3: 19- 23).

ظهر شر الملك نبوخذ نصر واضحاً في الأمر الذي أصدره بأن يحمي الأتون سبعة أضعاف.. فالأتون المحمي على أي مستوى كان كفيلاً بحرق الرجال الثلاثة وتحويل أجسادهم إلى رماد.. لكنه الغيظ البشري، وحب الانتقام ممن يتحدون سلطتننا البشرية.

ولقد خسر الملك بإصدار هذا الأمر، خسر جبابرة القوة في جيشه لأنه "من حيث إن كلمة الملك شديدة والأتون قد حمي جداً قتل لهيب النار الرجال الذين رفعوا شدرخ وميشخ وعبدنغو" (دانيال 3: 22).

والعالم دائماً هو الخاسر حين يحاول التخلص من أولاد الله بغضب وغيظ.


الزائر السماوي

"حينئذ تحير نبوخذ نصر الملك وقام مسرعاً فأجاب وقال لمشيريه ألم نلق ثلاثة رجال موثقين في وسط النار. فأجابوا وقالوا للملك صحيح أيها الملك. أجاب وقال ها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة" (دانيال 3: 24- 25).

لهيب النار الذي قتل جبابرة القوة في جيش الملك نبوخذ نصر لم يؤثر في الرجال الثلاثة. والأتون المحمى سبعة أضعاف لم يحرقها.. كل ما فعلته النار أنها أحرقت وثقهم.. وهذا ما يحدث دائماً.. كلما قام اضطهاد نارى على أولاد وبنات الله.. نجد أن الاضطهاد يحرق قيودهم، ويفطمهم عن العالم، ويزيد قربهم من إلههم. فتنتعش الكنائس، ويزداد عدد اجتماعات الصلاة، ويمتلئ المؤمنون بشوق زائد لدراسة كلمة الله.

"ها أنا أربعة رجال محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة" (دانيال 3: 25).

ولكن من هو الرابع شبيه ابن الآلهة؟

في اعتقادنا أن هذا الرابع كان الرب يسوع المسيح في إحدى تجلياته الكثيرة للإنسان قبل تجسده من مريم العذراء. [اقرأ (تكوين 18: 1) و (يشوع 5: 13- 15) و (قضاة 13: 2- 23)].

لقد جاء يتمشى في وسط النار مع الرجال الثلاثة إتماماً لوعده "والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل. لا تخف لأني فديتك. دعوتك باسمك. أنت لي. إذا اجتزت في المياه فأنا معك وفي الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك" (أشعياء 43: 1- 2).

وقد يخطر ببالنا السؤال: لماذا لم يخرجهم الرب من النار؟ لماذا تمشى معهم وسط الأتون المتقد؟

والجواب إن الرب لم يخرج الرجال الثلاثة من وسط الأتون وتمشى معهم فيه ليعطى فرصة للملك نبوخذ نصر ليرى مدى قدرته الإلهية في حفظ أولاده، ومدى سلطانه على كل عناصر الطبيعة.

وهم لم يخرج هؤلاء الرجال الثلاثة من النار بل تمشى معهم ليكون له فرصة للحديث معهم.

ترى عن ماذا كلمهم الرب وهم يتمشون معه؟

هل كلمهم عن ميلاده العذراوي لإتمام الفداء؟ أو كلمهم عن مجيئه الثاني لتأسيس ملكوته السعيد؟

يقيناً إن الحديث الذي تحدث به الرب للرجال الثلاثة كان ممتعاً، وإنهم تمنوا أن يطول وجودهم وسط الأتون المتقد بالنار طالما كان الرابع شبيه ابن الآلهة سائراً معهم.

لقد أحرقت النار وثقهم، وأعطتهم فرصة ذهبية للتمتع بالحديث مع إلههم، وبالرفقة مع مخلصهم.

فمرحباً بالاضطهادات .. ومرحباً بالآلام .. مرحباً بالأحزان .. مرحباً بالأتون المحمي سبعة أضعاف مادام ابن الله المبارك يرافقنا وسط ضيقنا وأحزاننا.


الإنقاذ المعجزي

"ثم اقترب نبوخذ نصر إلى باب أتون النار المتقدة وأجاب فقال يا شدرخ وميشخ وعبدنغو يا عبيد الله العلي. اخرجوا وتعالوا. فخرج شدرخ وميشخ وعبدنغو من وسط النار. فاجتمعت المرازبة والشحن والولاة ومشيرو الملك ورأوا هؤلاء الرجال الذين لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم" (دانيال 2: 26- 27).

يمكننا أن نتصور كبار رجال الإمبراطورية البابلية مجتمعين حول شدرخ وميشخ وعبدنغو يتحسسون أجسامهم، ويمسكون شعور رؤوسهم، ويشمون سراويلهم، ويقفون في ذهول أمام هذا الإنقاذ المعجزي، مقرين بعظمة وقدرة الإله الذي حفظ عبيده من أي تأثير للنار.


المرسوم الإمبراطوري

"فأجاب نبوخذ نصر وقال تبارك إله شدرخ وميشخ وعبدنغو الذي أرسل ملاكه وأنقذ عبيده الذين اتكلوا عليه وغيروا كلمة الملك وأسلموا أجسادهم لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير ألههم. فمتى صدر أمر بأن كل شعب وأمة ولسان يتكلمون بالسوء على إله شدرخ وميشخ وعبدنغو بأنهم يصيرون إرباً إرباً وتجعل بيوتهم مزبلة إذ ليس إله آخر يستطيع أن ينجي هكذا، حينئذ قدم الملك شدرخ وميشخ وعبدنغو في ولاية بابل" (دانيال 3: 8- 3).

نتيجة هذا الإنقاذ المعجزي، بارك الملك نبوخذ نصر الله، لكنه باركه على اعتبار أنه "إله شدرخ وميشخ وعبدنغو" (دانيال 3: 8) وليس إلهه هو. تماماً كما فعل بعد أن أخبره دانيال بحلمه وتعبيره إذ قال "حقاً إن إلهكم إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار" (دانيال 2: 47). فنبوخذ نصر رغم الحلم الذي رآه، والمعجزة الكبرى التي شاهدها بعينيه مازال ملكاً وثنياً. فالمعجزات لا تغير القلوب.

ولقد مدح الملك شدرخ وميشخ وعبدنغو لأنهم اتكلوا على إلههم، وغيروا كلمة الملك، وأسلموا أجسادهم للنار لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير إلههم. وهذه شهادة لمدى أمانة هؤلاء الرجال، وولائهم المطلق لله الذي آمنوا به. إن الله يستخدم لمجده أولئك الذين يكرسون نفوسهم له بالتمام، ويضعون حياتهم على مذبحه حتى الموت.

وأصدر الملك نبوخذ نصر أمراً إلى كل الشعوب والأمم والألسنة في إمبراطوريته يحذرهم من الكلام بالسوء من يعصى هذا الأمر.

ويقف المرء متعجباً من ملك لم يعط لله قلبه، ولم يعترف به إلهاً له، ومع ذلك فهو  يحمي اسمه؟!!

وتنتهي القصة التاريخية الواقعية بأن "قدم الملك شدرخ وميشخ وعبدنغو في ولاية بابل" (دانيال 3: 30).

والنجاح المادي يأتي نتيجة أمانتنا لله.

فأمانة يوسف أوصلته أن يكون رئيساً على كل أرض مصر.

وأمانة دانيال أوصلته إلى ق النجاح في ملك داريوس.

فالأمانة للرب هي مفتاح النجاح في كل دوائر الحياة.

"كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤيا 2: 10).

بقي أن نجيب على ثلاثة أسئلة هامة بخصوص هذا الإصحاح.

السؤال الأول: أين كان دانيال حين نصب الملك التمثال الذهبي؟

وبغير شك أن دانيال لم يكن موجوداً في بقعة دوراً في ذلك الوقت. لقد كان منصب دانيال في باب الملك (دانيال 2: 49) ولعل الملك أرسله في مهمة خاصة.. إن ما نعرفه عن دانيال أنه لو كان موجوداً في المشهد لكان أحد الذين ألقاهم الملك في وسط الأتون، فقد أبى في مناسبة أخرى أن يوجه الصلاة إلى الملك داريوس لمدة ثلاثين يوماً وألقي في جب الأسود.

وعدم ذكر دانيال في هذا الإصحاح دليل قاطع على وحي الكتاب المقدس، وصدقه، ودقته، لأنه لو كان سفر دانيال سفراً خيالياً كتب عن بطل اسمه دانيال كما يقول النقاد، لرأينا دانيال في المقدمة في كل قصصه وحوادثه، ولكن غياب دانيال عن المشهد يؤكد لنا أن السجل المقدس سجل لنا تاريخاً أميناً وحقيقياً.

والسؤال الثاني: لماذا تذكر هذه الحادثة التاريخية في سفر نبوي؟ وهل من علاقة بين ما حدث للرجال الثلاثة وبين النبوات المرتبطة بالأيام الأخيرة؟

ونجيب: بأننا حين ندرس سفر دانيال يجب أن لا يغرب عن بالنا أن حوادثه التاريخية هي نبوات كتابية. وما حدث للرجال الثلاثة أيام حكم نبوخذ نصر سوف يتكرر بصورة أبشع خلال حكم الحاكم العالمي القادم. فكما ساد روح الوثنية خلال هذه الحقبة من حكم نبوخذ نصر كذلك ستسود ذات الروح خلال حكم الحاكم العالمي القادم.

وإذا قمنا بمقارنة الإصحاح الثالث من سفر دانيال بالإصحاح الثالث عشر من سفر رؤيا يوحنا لرأينا مدى التشابه بين الإصحاحين.. فكما طالب نبوخذ نصر الملك شعب إمبراطوريته بعبادة تمثال الذهب والسجود له، كذلك سيطالب الحاكم العالمي القادم الساكنين على الأرض بالسجود له "فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض الذين ليست أسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح" (رؤيا 13: 8).

وكما هدد الملك نبوخذ نصر من يجسر على عصيان أمره بالحرق في أتون النار المتقدة. كذلك ستكون عبادة الحاكم العالمي القادم تحت تأثير الخوف، والخرافة، والاضطهاد، والقتل. (رؤيا 13: 15). وكما استخدم نبوخذ نصر تمثال الذهب الذي نصبه في محاولة توحيد شعوب إمبراطوريته سيستخدم الحاكم العالمي القادم دينه الجديد لتوحيد شعوب العالم تحت سيادته. وكما مر الرجال الثلاثة في النار دون أن يحترقوا، سيمر الأمناء في نار الضيقة العظيمة دون الاحتراق بها.

التاريخ المسجل في سفر دانيال إذاً هو تاريخ ونبوة في وقت واحد.

السؤال الثالث: ماذا كان يحدث لو سمح الرب باحتراق هؤلاء الرجال في الأتون المتقد بالنار؟ أما كان هذا يعني عجز الله عن إنقاذ الذين يتقونه؟

ونجيب: يقيناً لا... فالله يسمح أحياناً في ترك الذين يتقونه للألم والموت لغرض في قلبه. والرجال الثلاثة عرفوا هذه الحقيقة وقالوا للملك نبوخذ نصر "وإلا.." أي وحتى إذا لم ينقذنا إلهنا فلن نعبد آلهتك ولن نسجد للتمثال الذي نصبته.

وفي سجل أبطال الإيمان في الإصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين نقرأ عن نوعين من الأبطال.. أبطال قهروا ممالك، وصنعوا براً، وأطفأوا قوة النار، وأبطال تحملوا الألم بصبر وتسليم.

"وماذا أقول أيضاً لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء. الذين بالإيمان قهروا ممالك وصنعوا براً نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود. أطفأوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء. أخذت نساء أمواتهن بقيامة. وآخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل. وآخرون تجربوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضاً وحبس. رجموا نشروا جربوا ماتوا قتلاً بالسيف طافوا في جلود غنم وجلود معزى معتازين مكروبين مذلين. وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم. تائهين في براري وجبال ومغائر وشقوق الأرض. فهؤلاء كلهم مشهود لهم بالإيمان" (عبرانيين 11: 32- 39).

وفي خلال حكم الحاكم العالمي القادم سينقذ الله بعضاً من أتقيائه، وسيسمح للبعض الآخر بأن يموتوا بيد هذا الحاكم الأثيم ليعطيهم إكليل الحياة.

فمهما كانت إرادة الله بخصوصك، فإن أهم ما يجب أن تعرفه هو أن "البار بالإيمان يحيا" (رومية 1: 17).

  • عدد الزيارات: 21709

إشترك في المراسلات

تابعونا



لا يسمح أن يعاد طبع أي من منشورات هذا الموقع لغاية البيع - أو نشر بأي شكل مواد هذا الموقع على شبكة الإنترنت دون موافقة مسبقة من الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل
الرجاء باسم المسيح التقيّد بهذه التعليمات والتقيد بها -- للمزيد من المعلومات
© Kalimat Alhayat a ministry of Arabic Bible Outreach Ministry - All rights reserved
تطبيق كلمة الحياة
Get it on Google Play
إلى فوق