الفصلُ السَّادِس "الدَّعوَة"

(متَّى 7: 1- 27)

في هذا الإصحاحِ النِّهائِي منَ المَوعِظَةِ على الجَبَل، نقرأُ أنَّ يسُوعَ وصلَ بِمَوعِظَتِهِ العَظيمة إلى نُقطَةِ القَرار، عندما دَعا أُولئكَ الذينَ سَمِعُوا عِظَتَهُ ليُقَرِّرُوا ما إذا كانُوا سيُصبِحُونَ مِلحَ الأرضِ أو سيبقُونَ بِلا منفَعَة. كانَ يسُوعُ الواعِظ/المُعلِّم الأكثر عمليَّةً الذي عرفَهُ هذا العالم. ولقد ختمَ "خُلوَتَهُ المسيحيَّة الأُولى" بقَولِ ما جَوهَرُ معناهُ للذينَ سَمِعُوا هذه العِظة، "ما نُؤمِنُ بهِ بالفِعل، فهذا نعمَلُهُ. وكُلُّ ما عدا ذلكَ فهُوَ مُجَرَّدُ كلامٍ دينيّ – ولا أحد يُحِبُّ مُجرَّدَ الكلامِ الدِّيني!"

كانَ يسُوعُ قد علَّمَ تلاميذَهُ أن ينظُرُوا إلى داخِلِ نفُوسِهم ويُدرِكُوا أنَّ تطويباتِهِ الثَّمانِيَة ستجعَلُ منهُم الملحَ والنُّور الذي كانَت الجُمُوع المُزدَحِمَة عندَ أسفَلِ الجَبل بأمَسِّ الحاجَةِ إليها. ولقد علَّمَهُم أيضاً أن ينظُرُوا حولَهُم ويُطَبِّقُوا هذه المَواقِف المُبارَكَة على علاقاتِهِم. لقد كانَ هذا مُحَرِّكاً لهُم لدرجَةِ أنَّهُم كانُوا أكثَرَ من مُستَعِدِّينَ ليَسمَعُوا تحريضَهُ لهُم ليَنظُرُوا إلى فَوق وينالُوا منَ اللهِ القُوَّةَ الدِّينامِيكَّة – أي المبادِئ والقِيَم الرُّوحِيَّة – التي يحتاجُونَها إذا كانُوا سيَنظُرُونَ إلى داخِلِ نُفُوسِهِم وحولَهم كما ينبَغي.

التَّحدِّي الذي يُقَدِّمُهُ يسُوعُ الآنَ هُوَ، "ماذا ستعمَلُونَ حِيالَ ما تعلَمُون؟" لقد كانَ يُشَدِّدُ مراراً على التَّطبيقِ العمَلِيّ عندما كانَ يُعطِي تلاميذَهُ تعليماً عظيماً. لاحِقاً، عندما غَسَلَ أرجُلَ الرُّسُل وعَلَّمَهُم التَّواضُع، أعلنَ قائِلاً: "إن عَلِمتُم هذا، فطُوباكُم إن عَمِلتُمُوهُ!" ولقد طرحَ أيضاً السُّؤال، "ولماذا تدعُونَني يا رَبّ يا رَبّ، وأنتُم لا تفعَلُونَ ما أقُولُهُ؟" (يُوحَنَّا 13: 17؛ لُوقا 6: 46)

وها هُوَ الآن يتحدَّى أُولئِِكَ الذينَ سَمِعُوا عِظتَهُ بِثلاثَةِ تحريضات: "قبلَ أن تترُكُوا هذا الجَبَل، إتَّخِذُوا إلتِزاماً كامِلاً وغيرَ مَشرُوطٍ للنَّظَرِ إلى الدَّاخِل، حولَكُم وإلى فَوق."

"لا تَدِينُوا لِكَي لا تُدانُوا. لأنَّكُم بالدَّينُونَةِ التي بِها تَدينُونَ تُدانُون. وبالكَيلِ الذي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لكُم.

"ولماذا تنظُرُ القَذَى التي في عَينِ أخيكَ. وأمَّا الخَشَبَة التي في عَينِكَ فلا تفطَن لها. أم كَيفَ تَقُولُ لأخيكَ دَعني أُخرِجُ القَذَى من عَينِكَ وها الخَشَبَةُ في عَينِكَ؟ يا مُرائِي أَخرِجْ أوَّلاً الخَشَبَةَ من عَينِكَ. وحِينئِذٍ تُبصِرُ جَيِّداً أن تُخرِجَ القَذَى من عَينِ أخِيكَ.

"لا تُعطُوا القُدسَ لِلكِلاب ولا تَطرَحُوا دُرَرَكُم قُدَّامَ الخَنازِير. لئلا تَدُوسَها بأَرجُلِها وتَلتَفِتَ فتُمَزِّقَكُم." (متَّى 7: 1- 6)

لقد كانَ يسُوعُ يتمتَّعُ بالحِسِّ الفُكاهِيّ. ولقد إستَخدَمَ أحياناً الفُكاهَةَ ليُظهرَ بتكبيرٍ وليُوضِحَ بِحَيويَّةٍ الحقيقَةَ التي كانَ يُعَلِّمُها. مثلاً، قالَ أنَّ رِجالَ الدِّين هَؤُلاء يُصَفُّونَ عنِ البَعُوضَة ويبلَعُونَ الجَمَل. (متَّى 23: 24) ولكي يُوضِحَ نُقطَتَهُ – أنَّ تلاميذَهُ ينبَغي أن لا يَكُونُوا مُرائين – يطرَحُ يسُوعُ بعضَ الأسئِلَة: "لماذا تُحاوِلُ أن تَكتَشِفَ القَذَى في عَينِ الآخرين، بينما هُناكَ خَشَبَةٌ كبيرَةٌ في عينِكَ؟ وكيفَ سيكُونُ بإمكانِكَ أن تنزِعَ القَذَى من عينِ أخيكَ وها الخَشبَةُ في عَينِكَ؟"

ذهَبَ رَجُلٌ إلى راعي كنيستِهِ. وكانَ لديهِ خَسَّة على رأسِهِ، معَ بيضَتَينِ مَقلِيَّتَين وقطعَةً من اللحمِ المُقدَّدِ على كُلٍّ من أُذُنَيهِ. وعندما سألَهُ الرَّاعي المصدُوم، "كيفَ أستَطيعُ أن أُساعِدَكَ؟" أجابَه ُهذا الرَّجُل، "يا قَسِّيس، أودُّ أن أتكلَّمَ معَكَ عن مشاكِلِ أخي." بعضُ النَّاسِ مَهوُوسُونَ بمشاكِلِ الآخرين. أحياناً يُصبِحُ هؤلاء مُفرِطينَ في الإنتِقاد فيُلقُونَ اللَّومَ بإستِمرارٍ على الآخرينَ، عندما يكُونُ منَ الواضِحِ للجَميعِ أنَّ المُشكِلَةَ تكمُنُ فيهم.

وصفَ يسُوعُ هكذا أشخاص بهذه الإستِعارَة الفُكاهِيَّة المُتَبَصِّرَة. فلقد طرحَ سُؤالَينِ عميقَين: "لماذا تفعَلُونَ هذا؟" و، "كيفَ يُمكِنُ أن تنجَحُوا؟" جَوهَرُ هذا التَّعليم هُو: إتَّخِذُوا الإلتِزامَ بأن تنظرُوا إلى الدَّاخِل، وأن تُخرِجُوا عمُودَ الخَشَبِ من عينِكُم، لكي يتسنَّى لكُم أن تُساعِدُوا الآخرينَ على إخراجِ القَذَى من عَينِهِم.

كَلِِماتُ يسُوع التَّالِية لم تُظهِرْ أيَّة فُكاهَة. طبَّقَ يسُوعُ إستِعارَتَهُ الفُكاهِيَّة بهذه الطَّريقة: "يا مُرائِي. أخرِج أوَّلاً الخَشَبَةَ من عَينِكَ. وحينئِذٍ تُبصِرُ جَيِّداً أن تُخرِجَ القَذَى من عَينِ أخيكَ." لأنَّ هذا التَّعليم يبدَأُ معَ التَّصريح أنَّنا لا ينبَغي أن ندينَ الآخرين، يعتَقِدُ الكَثيرُونَ أنَّ هذه هي الحقيقَة الوحيدة التي علَّمَها يسُوعُ هُنا.

بالحقيقَة، كانَ يسُوعُ يُعَلِّمُ أنَّهُ عندما يتعلَّقُ الأمرُ بالمشاكِلِ العلاقاتِيَّة، ينبَغي على التِّلميذ أن ينضَمَّ إلى نادِي "أنا أوَّلاً." فتلميذُ المسيح ينبَغي أن يدَعَ اللهَ يتعامَلُ معَ مَشاكِلِهِ الشَّخصيَّة، قبلَ أن يستطَيعَ أن يُساعِدَ الآخرينَ على حَلِّ مشاكِلِهِم. لهذا عليهِ أن لا يحكُمَ على الآخرينَ بِقَسوة. تعليمُ المسيح هُوَ، "أُحكُم أوَّلاً على نفسِكَ، ومن ثَمَّ سيَكُونُ بإمكانِكَ أن تُساعِدَ الآخرينَ على حَلِّ مشاكِلِهِم. إتَّخِذِ الإلتِزام بالنَّظَر إلى الدَّاخِل."

ولقد أضافَ يسُوعُ إلى هذا التَّعليم أنَّ العلاقات البَشَريَّة هي طريقٌ بإتِّجاهَين. فأيُّ كَيلٍ قد تتَعامَلُ بهِ معَ الآخرين، سيتعامَلُ الآخرُونَ بهِ معَكَ. كانت هذه الإستِعارَة مأخُوذَة منَ السُّوق. فإذا شَكَكتَ بأنَّ أحدَ التُّجَّارِ كانَ يتعامَلُ بكَيلٍ مغشُوش، فعندَما تَبيعُهُ منتُوجَكَ، بإمكانِكَ أن تطلُبَ منهُ أن يكيلَ ما تَبيعُهُ إيَّاهُ بنفسِ الكيلِ الذي إستَعمَلَهُ عندما كانَ يبيعُكَ منتُوجَهُ. كانَ هذا ختاماً لتعليمِ يسُوع عن العلاقة معَ التَّلميذِ الآخر.

تعليمُهُ حولَ الدُّرَر والخَنازِير يُلَخِّصُ تحَدِّي تعليمَهُ عن التَّعامُلِ معَ المُنافِسين، معَ الأشرار ومعَ الأعداء. علينا أن نَصِلَ إلى هؤُلاء النَّاس، ولكن قد نخسَرُ نُفُوسَنا أو دُرَرَنا عندما لا نَجدُ إهتِماماً من قِبَلِهِم بما نُقَدِّمُهُ لهُم. علينا أن لا نَكُونَ بِدُونِ تَمييزٍ، بل بأن نَكُونَ وُكَلاءَ حُكماءَ صالِحينَ على حياتِنا وخدماتِنا.

تحريضُ يسُوع التَّالِي كانَ دعوَةً للإلتزامِ بالنَّظَرِ إلى فَوق: "إسألُوا تُعطَوا. أُطلُبُوا تَجِدُوا. إقرَعُوا يُفتَحْ لكُم. لأنَّ كُلَّ من يسألْ يأخُذْ. ومن يطلُبْ يَجِد. ومن يقرَعُ يُفتَحُ لهُ. أمْ أيُّ إنسانٍ مِنكُم إذا سأَلَهُ إبنُهُ خُبزاً يُعطيهِ حَجَراً. وإن سألَهُ سَمَكَةً يُعطيهِ حَيَّةً. فإن كُنتُم وأنتُم أشرارٌ تَعرِفُونَ أن تُعطُوا أولادَكُم عطايا جَيِّدَة، فكَم بالحَرِيّ أبُوكُم الذي في السَّماواتِ يَهَبُ خَيراتٍ كثيرَة للَّذِينَ يسأَلُونَهُ." (متَّى 7: 7- 11)

الإصحاحُ السَّادِس بكامِلِهِ تكلَّمَ عن حَضِّ يسُوع للنَّظَر إلى فَوق، لِنَنالَ المبادِئَ والقِيَم التي تأتي منَ الله. وها هُوَ الآن يدعُو إلى إلتِزامٍ كامِلٍ غير مَشرُوط بِتَعَلُّمِ وتطبيقِ هذه المبادِئ والقِيَم التي عَلَّمَها عندما تحدَّى تلاميذَهُ بالنَّظَرِ إلى فَوق.

في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة، الزَّمَنُ الحَاضِر (أو صِيغَةُ المُضارِع) يُشيرُ إلى الفِعل المُستَمِر في الزَّمَن. هذه الأعداد يُمكِنُ تفسيرُها كالتَّالي: "أطلُبُوا وإستَمِرُّوا بالطَّلَب ... لأنَّ الذي يطلُبُ ويستَمِرُّ بالطَّلب يأخُذُ كذا وكذا." القضِيَّةُ هي أنَّ يسُوعَ يَحُضُّ تلاميذَهُ على النَّظَرِ إلى فَوق بإستِمرار وبإصرار. الطَّلَبُ هُوَ طَلَبٌ بإستِمرار وبإصرار، والقَرعُ هُوَ بإستِمرارٍ وبإصرار. يسُوعُ يدعُو تلاميذَهُ ليَكُونُ شعباً شَغُوفاً بالله.

ينتَهي هذا الحَضُّ بالوعدِ المُثير أنَّ كُلَّ من يسأَل، يطلُب، ويقرَعُ بإستمرارٍ وبإصرار سوفَ يُعطَى، يَجِد، وسيُفتَحُ لهُ إلى الدُّخُولِ إلى محضَرِ الله. هذا الوعدُ الرَّائع يتبَعُهُ التَّأكيدُ الجميلُ أنَّنا إن كُنَّا ونحنُ الأشرار نُعطي أولادَنا عطايا صالِحَة، فكم بالحَرِيِّ أبُونا السَّماوِيّ المُحِبّ سيُعطي عطايا صالِحَة للذين يطلُبُونَهُ.

أنا مُندهِش تماماً من كَونِ القَليل جدَّاً منَ النَّاس يُعَلِّمُونَ ويكرِزُون بدَعوَة يسُوع هذه اليَوم. وأنا مُتألِّمٌ كثيراً أنَّ القَليلَ جدَّاً من بينِ تلاميذِ يسُوع يتجاوَبُونَ معَ دَعوَتِهِ ليُصبِحُوا شعباً شَغُوفاً بالله.

الحَضُّ الثَّالِث الذي يضَعُهُ يسُوعُ أمامَ هؤُلاء التَّلاميذ، قبلَ أن يرجعُوا إلى العلاقاتِ التي تنتَظِرُهُم عندَ أسفَلِ الجَبل، هُوَ الدَّعوَة إلى إتِّخاذِ إلتِزامٍ كامِلٍ غير مَشرُوط بالنَّظَرِ إلىحولِهم: "فكُلُّ ما تُريدُونَ أن يفعَلَ النَّاسُ بِكُم إفعَلُوا هكذا أنتُم أيضاً بِهِم. لأنَّ هذا هُوَ النَّامُوسُ والأنبِياء." (متَّى 7: 12)

يختُمُ يسُوعُ عظَتَهُ بهذا العدد الذي يُسَمَّى "القاعدة الذَّهَبِيَّة." إنَّهُ أعظَمُ تعليمٍ سبقَ وعرَفَهُ هذا العالم فيما يتعلَّقُ بالعلاقاتِ البَشَريَّة. ولقد صَرَّحَ يسُوعُ أنَّ هذه الجُملة القَصيرَة تُكَمِّلُ النَّامُوسَ والأنبِياء (أي العهد القَديم)، أو الأسفار الكتابِيَّة المَوجُودَة آنذاك.

كتبَ أحدُ المُفَسِّرينَ يقُولُ،"كالمُعتاد، معَ يسُوع الأشياء الأساسيَّة هي الأشياء الإعتِيادِيَّة، والأشياء الإعتِيادِيَّة هي الأشياء الأساسيَّة." ما يَقُولُهُ هُنا هُوَ التَّالِي: "إختَرْ أحداً من بينِ الجمع عندَ أسفَلِ الجَبَل. ضَعْ نفسَكَ مكانَ هذا الشَّخص. إن كُنتَ هذا الشَّخص، ماذا كُنتَ ستُريدُ أن يفعَلَ بكَ تلميذُ المسيح؟ عِندَما تعرِفُ الجوابَ على هذا السُّؤال، إذهَبْ أنتَ وإفعَلْ لهُ هكذا- مهما كانَ، إفعَلْهُ بِبَساطَة. هذا هُوَ تعليمُ الكتابِ المُقدَّس بكامِلِهِ حولَ موضُوع العلاقات بينَ الأشخاص.

طَبِّقْ هذا التَّعليم على شَريكَةِ حياتِكَ، على أولادِكَ، على أهلِكَ، على إخوتِكَ وأخواتِكَ في المسيح. طَبِّق القاعِدَة الذَّهبيَّة على أشخاصٍ من عِرقٍ آخر. عندها ستُصبِحُ القاعِدَةُ الذَّهبِيَّةُ قاعِدَة العلاقاتِ بينَ الأعراق، بينَ الأزواج وبينَ أفرادِ العائِلَةِ والجَماعَةِ الرُّوحيَّة. تأكَّدْ من تَطبيقِ هذه القاعِدَة على مُنافِسيكَ وأعدائِكَ.

لَرُبَّما التَّطبيقُ الأساسيُّ الذي كانَ على قَلبِ يسُوع كانَ أن يُطَبِّقَ هذا التَّعليم على أُناسٍ لا يعرِفُونَ شَيئاً عن المسيح وعنِ الخلاص. عندها ستُصبِحُ هذه القاعِدةُ القاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ للإرسالِيَّاتِ والتَّبشير.


الدَّعوَةُ العَظيمة

بعدَ أن أصدَرَ يسُوعُ دعواتِهِ الثَّلاث للإلتِزام، والتي إنتَهَت معَ القاعِدَةِ الذَّهَبِيَّة، يُعطي يسُوعُ الآنَ دعوَةً يُمكِنُ تصنيفُها بينَ أقوال يسُوع الصَّعبَة. فهُوَ لم يَكُنْ يكُن أبداً يَدعُو النَّاسَ ليأتُوا وينالُوا شَيئاً مُقابِل لا شَيء. لم تَكُنْ هذه دَعوة للخَلاص، بل كانت دعوَةً أو تَحَدِّياً لنلتَزِمَ بأن نَكُونَ حُلُولَ وأجوبَةَ المسيح، وأن نَصِلَ إلى العالَمِ أجمَع بإنجيلِهِ.

إنَّ سابِقَةً تقديمِ الدَّعوة، التي تأتي بأُولئِكَ الذين سَمِعُوا الوعظَ أو التَّعليم إلى مرحَلَةِ إتِّخاذِ القَرار والإلتِزام، بدأَت معَ مُوسى والأنبِياء (تثنيَة 30: 19، 20). تقديمُ الدَّعوَة كانت خاصِّيَّةً مُمَيِّزَةً في خدمَةِ يسُوع المسيح. عندما عُقِدَت هذه الخُلوَة، كانَ التَّحَدِّي هُوَ، "هل أنتُم جزءٌ منَ المُشكِلَة أم أنَّكُم ستَكُونُونَ جُزءاً منَ الحَلّ؟ وهل أنتُم جزءٌ منَ الجَمعِ المَوجُود عندَ سَفحِ الجَبَل، أم أنتُم على القِمَّةِ معَ يسُوع؟

ولكن في خاتِمَةِ هذا التَّعليم، أُولئِكَ الذينَ يعتَرِفُونَ بأنَّهُم تلاميذ يسُوع، والذينَ يعترِفُونَ لذلكَ بِكَونِهِم جُزءاً من حُلُولِهِ وأجوِبَتِهِ، يسمَعُونَ دعوَةً مهُوبَة. تذَكَّرُوا أنَّ كُلَّ الذينَ سَمِعُوا هذه الدَّعوَة إعتَرَفُوا بأنَّهُم مُؤمِنين. هذه دَعوَةٌ مُعطاةٌ للتَّلاميذ على رأسِ الجَبَل. زخَمُ هذه الدَّعوَة هُوَ: أيُّ نَوعٍ منَ التَّلاميذِ هُوَ أنت؟

هُنا تأتي الدَّعوَة: "أدخُلُوا منَ البابِ الضَّيِّق. لأنَّهُ واسِعٌ الباب ورَحبٌ الطَّريق الذي يُؤَدِّي إلى الهَلاك. وكَثيرُونَ هُمُ الذين يدخُلُونَ منهُ. ما أضيَقَ الباب وأكرَب الطَّريق الذي يُؤَدِّي إلى الحياة. وقَليلُونَ هُمُ الذينَ يَجِدُونَهُ." (متَّى 7: 13- 14)

تُوجَدُ إمكانِيَّتان. ثلاثَ مرَّاتٍ في هذه الدَّعوة يَقُولُ يسُوعُ أنَّهُ يُوجَدُ نَوعانِ منَ الذين يعتَرِفُونَ بأنَّهُم تلاميذ. في هذا الجزء منَ الدَّعوَة، يَقُولُ يسُوعُ أنَّ هُناكَ الكَثرَة، وهُناكَ القِلَّة. الكَثرَة تعتَبِرُ أنَّ هُناكَ طريقَةٌ سَهلَة لنَكُونَ الحَلَّ والجَواب، أي لنَكُونَ ملحاً ونُوراً. ولكنَّهُم لا يُصبِحُون أبداً حُلُولاً وأجوِبَةً. إنَّهُم ليسُوا بالحقيقَةِ ملحاً مالِحاً ولا نُوراً مُشِعَّاً؛ بل هُم يدَّعُونَ ذلكَ فحَسب. يَقُولُ يسُوعُ ما معناهُ، "إذا لاحَظتُم ما يحدُثُ للكَثرَةِ التي تَتبَعُ خُطُوطَ الحدِّ الأدنَى منَ المُقاوَمة، وظَننتُم أنَّهُ تُوجَدُ طريقَةٌ سَهلَةٌ لتَكُونُ جُزءاً من حَلِّي وجوابِي، ستُقَرِّرُونَ أنَّكُم لا تُريدُونَ أن تَكُونُوا جُزءاً منَ الكَثرَة.

"ولكن بعدَ ذلكَ، هُناكَ القِلَّة التي تعرِفُ أنَّهُ لا تُوجَدُ طريقٌ سَهلَة. الكَثرَةُ تُؤمِنُ أنَّ الطَّريقَ تبدأُ بِبابٍ واسِعٍ يُؤَدِّي إلى طريقٍ رَحبٍ سَهلٍ مُستَقيم، ولكنَّ هذا الطَّريق يُؤَدِّي إلى الهَلاك. القِلَّةُ تَعلَمُ أنَّ البابَ ضيِّقٌ والطَّريقَ التي يُؤَدِّي إليها هذا البابُ الضَّيِّقُ كَربَةٌ وصعبَةٌ، ولكنَّها تَقُودُ للحَياة. وقِلَّةٌ هُمُ الذين يجِدُونَها. فالتَّحدِّي هُوَ: "هل أنتَ واحِدٌ منَ الكَثرَة أم منَ القِلَّة؟"

ثُمَّ يُقَدِّمُ يسُوعُ إحتِمالينِ أو إمكانِيَّتين: "إحتَرِزُوا منَ الأنبِياءِ الكَذَبَة الذين يأتُونَكُم بِثِيابِ الحُملان ولكِنَّهُم من داخِل ذِئابٌ خاطِفَة. من ثِمارِهِم تعرِفُونَهُم. هل يجتَنُونَ منَ الشَّوكِ عِنَباً أو منَ الحَسَكِ تيناً. هكذا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تصنَعُ أثماراً جَيِّدَةً. وأمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فتصنَعُ أثماراً رَدِيَّةً. لا تَقدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أن تصنَعَ أثماراً رَدِيَّةً ولا شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أن تصنَعَ أثمارً جَيِّدة. كُلُّ شَجَرَةٍ لا تَصنَعُ ثمراً جَيِّداً تُقطَعُ وتُلقَى في النَّار. فإذاً من ثِمارِهِم تعرِفُونَهُم." (متَّى 7: 15- 20)

وتَستَمِرُّ الدَّعوَةُ الصَّعبَةُ: "هل أنتَ تلميذٌ مُزَيَّفٌ أم تلميذٌ حقيقيٌّ ليسُوع؟" علَّمَ يسُوعُ مثلَ الحِنطَةِ والزِّوان، الذي فيهِ تنبَّأَ بِوُضُوحٍ أنَّ ملكُوتَهُ (الكنيسة) سيَكُونُ مَزيجاً منَ الحقيقيِّ والمُزَيَّف (متَّى 13: 24- 30). ولقد علَّمَ أنَّنا لن نتمكَّنَ من مَعرِفَةِ الفَرق. علينا أن لا نتفاجَأَ بأن نسمَعَ دَعوَتَهُ تُقَدِّمُ لنا هاتَينِ الإمكانِيَّتَين عنِ التِّلميذِ الحقيقيِّ والمُزَيَّف.

يَرجِعُ يسُوعُ إلى إستِعارَة القانُون الطَّبيعيّ في العالَمِ الرُّوحِيّ، عندما يُعلِنُ أنَّهُ بإمكانِنا أن نُمَيِّزَ الفَرقَ في حياتِنا أو في حياةِ الآخرين: "كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تصنَعُ أثماراً جَيَّدَةً. وأمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّة فتَصنَعُ أثماراً رَدِيَّة. لا تَقدِرُ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أن تصنَعَ أثماراً جَيِّدَة." بالطَّريقَةِ نفسِها، " لا تَقدِرُ شجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أن تصنَعَ أثمارَاً رَدِيَّة." فالتَّحَدِّي هُوَ، هل أنتَ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أم شجَرَةٌ رَدِيَّة؟ وهل أنتَ تلميذٌ مُزَيَّفٌ أم تلميذٌ حَقِيقيّ؟

الآن أصغُوا لِهذا: "ليسَ كُلُّ من يَقُولُ لي يا رَبّ يا رَبُّ يدخُلُ ملكُوتَ السَّماوات. بل الذي يفعَلُ إرادَةَ أبي الذي في السَّماوات. كَثيرُونَ سَيَقُولُونَ لي في ذلكَ اليَوم يا رَبُّ يا رَبُّ ألَيسَ بإسمِكَ تنبَّأْنا وبإسمِكَ أخرَجنا شَياطين وبإسمِكَ صَنَعنا قُوَّاتٍ كَثيرَة. فحينذٍ أُصَرِّحُ لهُم إنِّي لَم أعرِفُكُم قَطّ. إذهَبُوا عنِّي يا فاعِلي الإثم."(7: 21- 23)

هذا بعضٌ منَ أرهَبِ الكلماتِ في العهدِ الجديد. وسيتستخدِمُ التَّلاميذُ هذه الكلماتِ الثَّلاث ليُعطُوا تقييماً عن الحياةِ والخدمَةِ التي كانت لديهِم بينما كانُوا يتبَعُونَ يسُوع: "أعمالاً كَثيرَةً حسنَةً!" أمَّا يسُوعُ فسيستخدِمُ عندَها ثلاثَ كَلِماتٍ ليُعطِيَ حُكمَهُ على حياتِهِم وخدمَتِهِم: "يا فاعِليّ الإثم."

المَجمُوعَةُ الثَّالِثة من الإمكانِيَّاتِ في هذه الدَّعوَة القاسِيَة من يسُوع هي، "هل أنتَ واحِدٌ من أولئكَ التَّلاميذ الذين بالكادِ يتكلَّمُونَ عن إرادَة الآب، أم أنَّكَ واحِدٌ منَ الذين يعمَلُونَ بها بالفِعل؟"

يُؤَدِّي هذا بِيَسُوع إلى الخاتِمَة الدَّراماتِيكَّة لهذه العِظة العُظمى: "فَكُلُّ من يسمَعُ أقوالي هذه ويعمَلُ بها أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عاقِلٍ بَنَى بيتَهُ على الصَّخر. فنَزَلَ المَطَرُ وجاءَتِ الأنهارُ وهَبَّتِ الرِّياحُ ووَقَعَت على ذلكَ البَيت فلم يسقُط. لأنَّهُ كانَ مُؤَسَّساً على الصَّخر. وكُلُّ من يسمَعُ أقوالِي هذه ولا يعمَلُ بها يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جاهِلٍ بنى بيتَهُ على الرَّملِ. فنَزَلَ المَطَرُ وجاءَتِ الأنهارُ وهَبَّتِ الرِّياحُ وصَدَمَت ذلكَ البَيت فسَقَط. وكانَ سُقُوطُهُ عظيماً." (متَّى 7: 24- 27)

كلماتُ يسُوع الختامِيَّة هذه تُتابِعُ التَّمييزَ بينَ أُولئكَ الذين يَقُولُونَ وأُولئكَ الذين يعمَلُونَ بدعوَتِهِ. التَّحَدِّي الأخير هُوَ أنَّهُ إن سَمِعَ تلميذٌ هذا التَّعليم، ولكنَّهُ لم يُطَبِّقْ أبداً ما سَبَقَ وسَمِعَهُ، لن يَكُونَ لديهِ أساسٌ متينٌ لِحياتِهِ ولا لإعتِرافِ إيمانِهِ. ولكن إذا طَبَّقَ ما سبقَ وتعلَّمَهُ، فإنَّ حياتَهُ وإيمانَهُ سيَكُونَانِ مَبْنِيَّينِ على أساسٍ مَتين.

لو أعطَيتُكُم قِطعَةَ قِماشٍ، ومجمُوعَةَ رِيَشٍ وألوانٍ للرَّسم، وكُنتُم رَسَّامينَ مَوهُوبِين، ماذا كُنتُم ستَرسُمُونَ لو طَلَبتُ منكُم أن ترسُمُوا "الحياة؟" الشُّبَّانُ قد يَرسُمُونَ شَيئاً مِثالِيَّاً،كشابٍّ يقضِي وقتاً مُمتِعاً. أمَّا والديهم فقد يرسُمُونَ شَيئاً بالِغَ التَّشاؤُمِ قد يعكِسُ صُورَةَ الحياةِ القاسِيَة التي عاشُوها.

أمَّا يسُوعُ فلم يَكُنْ لا مِثالِيَّاً ولا تشاؤُمِيَّاً، بل كانَ واقِعيَّاً. لقد علَّمَ أنَّ الحياةَ عواصِف. ولا أحَدَ مُحَصَّنٌ ضِدَّ عواصِفِ الحياة. هذه العواصِفُ ستَضرِبُ هذينِ البَيتَين. ولكنَّ الحياةَ المَبنِيَّة على طاعَةِ تعليمِهِ ستصمُدُ بِوَجهِ العواصِف، والحياة التي تكتَفي بسَماعِ تعليمِهِ، ولكن لا تعمَلُ بِشَيءٍ من تعليمِهِ، لن تصمُدَ أمامَ العواصِف. بل ستَسقُطُ هذه الحياةُ، وسيَكُونُ سُقُوطُها عظيماً. تنتَهي هذه العِظَة معَ التَّحَدِّي القائِل، "أيُّ نَوعٍ من التَّلاميذِ هُوَ أنتَ؟"

الكَلِماتُ الأخيرة التي نقرَأُها هي تجاوُبُ النَّاس الذين لم يحضُرُوا هذه العِظة، بل كانُوا على السُّفُوحِ، بعيدينَ عن قمَّةِ الجبل التي عليها كانَ يسُوعُ يُعطي تعليمَهُ: "فلَمَّا أكمَلَ يسُوعُ هذه الأقوال، بُهِتَتِ الجمُوعُ من تعليمِهِ. لأنَّهُ كانَ يُعَلِّمُهُم كمَنْ لهُ سُلطانٌ وليسَ كالكَتَبَةِ." (متَّى 7: 28 و29)


الخاتِمَة

يدعُوكَ يسُوعُ، كما دعا تلاميذَهُ، لتَكُونَ جُزءاً من حَلِّهِ للجُمُوعِ التي تَتيهُ بِيأسٍ في الظُّلمَةِ الحالِكَة. إقرَأْ هذه الإصحاحاتِ الثَّلاث مُجَدَّداً، واطلُبْ منَ اللهِ أن يُساعِدَكَ، ليسَ فقط لِتَفهَمَ بل لِتُطيعَ وتعيشَ تعليمَهُ. وعندَها "إسأَلْ تُعطَ. أُطلُبْ تَجِد. إقرَعْ يُفتَحْ لكَ." (متَّى 7: 7)

إن كُنتَ قد قَرَّرتَ أن تُصبِحَ تابِعاً حَقيقيَّاً وتلميذاً مُخلِصاً ليَسُوع المسيح، أرجُو أن تكتُبَ إلينا وأن تَدَعَنا نعرِفُ بذلكَ، لكي نُرسِلَ لكَ كُتَيِّباتٍ أُخرى يُمكِنُ أن تُساعِدَكَ لتَنمُوَ في الإيمان. صلاتي هي أن يكُونَ اللهُ قدِ إستَخدَمَ هذا الكُتَيِّب ليُشَجِّعَكَ لتَكُونَ نُوراً مُشِعَّاً حيثُ وَضعَكَ اللهُ بطريقَةٍ ستراتيجيَّة.

  • عدد الزيارات: 7040

إشترك في المراسلات

تابعونا



لا يسمح أن يعاد طبع أي من منشورات هذا الموقع لغاية البيع - أو نشر بأي شكل مواد هذا الموقع على شبكة الإنترنت دون موافقة مسبقة من الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل
الرجاء باسم المسيح التقيّد بهذه التعليمات والتقيد بها -- للمزيد من المعلومات
© Kalimat Alhayat a ministry of Arabic Bible Outreach Ministry - All rights reserved
تطبيق كلمة الحياة
Get it on Google Play
إلى فوق