الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية : بدع وهرطقات : الرد على شهود يهوه : نهاية العالم بلا نهاية

الفصل التاسع

نهاية العالم بلا نهاية


ليس شيء أحب إلى قلوب شهود يهوه من موضوع النهاية. فهو يتصدّر العناوين الهامة في كتاباتهم ويُعتبر بمثابة صنّارة يصطادون بها نفوس الجهّال من الناس، الذين أصغوا إلى نبوّاتهم وقبلوها من دون تعريضها للفحص الدقيق. ولا غرابة البتة في انسياق الناس إليهم أو إلى غيرهم من الشّيع، إذ سبق الرب فحذّر من موجة الضلال التي ستجتاح العالم في الأزمنة الأخيرة. ولا شك أنه أشار إلى زماننا الحاضر الذي تحوّل فيه العالم إلى سوق للبدع ومسرح للأنبياء الكذبة حتى لا تكاد تخلو بقعة في العالم اليوم من انتشارهم.

1- متى يأتي المسيح؟

حين سأل التلاميذ الرب عن زمن مجيئه أجابهم بالقول: "اسهروا وصلّوا لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت" (مرقس13: 33). وبدلاً من أن يكلّف الرسول بولس نفسه عناء الكتابة عن الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه قال: "وأمّا الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الأخوة أن أكتب إليكم عنها لأنكم تعلمون بالتحقيق إن يوم الرب كلصٍّ في الليل هكذا يجيء" (1تسالونيكي 5: 1 و2). لكن شهود يهوه لا يوافقون ربّنا ورسوله، بل يدّعون "أنهم يعرفون مقاصد يهوه وأزمنته وفصوله...فإنّ روح الله القدوس يكشف لهم أيضاً ما هو الفصل من وجهة نظره."((61)) ومن هذا الفكر انطلقوا وتنبأوا عن زمن مجيء الرب. وفي محاولة لتبرير تنبؤاتهم التي لم تصدق في توقّعاتهم قالوا:

"يدّعي بعض المقاومين بأنّ شهود يهوه أنبياء كذبة. وهؤلاء الخصوم يقولون أن التواريخ حُدّدت، ولكن لم يحدث شيء...نعم، كان على شعب يهوه أن يعدّلوا توقّعاتهم من حين لآخر. وبسبب اشتياقنا رجونا أن يكون النظام الجديد أبكر مما اقتضاه جدول مواعيد يهوه...وعلاوة على ذلك فإنّ الحاجة إلى تعديل فهمنا بعض الشيء لا تجعلنا أنبياء كذبة."((62))

نقول: إنّ التنبؤات التي لا تصدق في توقّعاتها والتي يجري فيها تعديل لا يجوز أن تُنسب بأيّة حال من الأحوال إلى روح الله؛ "فما تكلّم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلّم به الرب بل بطغيان تكلّم به النبي فلا تخف منه" (تثنية 18: 22). ونحن إذ يأمرنا كتابنا العزيز: "أيها الأحباء لا تصدّقوا كلّ روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأنّ أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" (1يوحنا 4: 1) سنستعرض الآن نبوّاتهم التي خرجوا بها منذ تأسيس شيعتهم. فإن تبيّن لنا صدقهم في واحدة منها يكونون أهلاً لثقتنا، وإلاّ فإنّنا نستطيع أن نحكم بكذبهم ونفاقهم. ففي ما يلي أهم تنبؤاتهم:

- 1872: "نهاية 6...سنة من تاريخ البشرية وابتداء حكم الله على العالم".

- 1874: "مجيءُ المسيح غير المنظور إلى هيكله في السماء".

- 1878: "خطف القديسين والقيامة الأولى".

- 1881: "انتهاء عهد النعمة – السماء تغلق أبوابها في وجه الخطاة".

- 1914: "مجيء المسيح المنظور وانبثاق ملكوت الله".

في مقدمة الجزء الثاني من "دروس في الكتاب المقدس" (طبعه ما بعد 1914) يعتذر رصل لأتباعه ببرودة بالغة فيقول: "إنّ المؤلّف- رئيس جمعية المراقبة- يعترف بأنه أوعز بالفكر في هذا الكتاب، أنّه يحق للقديسين أن يتوقّعوا وجودهم مع الرب في المجد في نهاية أزمنة الأمم سنة 19140 كانت هذه غلطة فادحة... غير أنّ الكثيرين يعربون عن شكرهم للرب، إذ إن آمال الكنيسة لم تحقق في المواعيد التي حدّدناها، وإنّه لا تزال لدينا فرصة لتكميل كلّ إثم، إذ بعد وفاته زعم رذرفورد –رغم اعتراف رصل الجهري- إن التنبؤات المختصة بسنة 1914 قد تّمت حرفياً. وكلّ ما عمله للاحتفاظ بالرقم، أنّه أضاف إلى نبوّات رصل أربعين سنة أخرى، فأصبح التقويم كالآتي: مجيء المسيح غير المنظور ليس 1874، بل 1914؛ خطف القديسين والقيامة الأولى ليس 1878، بل 1918. وكثيرون من أتباع رصل قبلوا هذه الإعلانات الجديدة، لم لا؟ فرذرفورد هو أيضاً "قناة الله" كسلفه رصل.

- 1925: تنبأ رذرفورد بعودة آباء الإيمان إبراهيم واسحق ويعقوب ليمثّلوا المسيح في الملكوت الرضي. وقد أمر ببناء مجلس لهم في سان دييغو بولاية كاليفورنيا سميّ "بيت الآباء" ؛ كما تنبّأ بقيامة أبرار العهد القديم والجديد.

- 1975: في مؤتمر شهود يهوه المنعقد سنة 1966 في بالتيمور تنبّأ فريدريك فرانس نائب الرئيس، بالآتي: "يوم الجمعة 5أيلول 1975 ستنقضي 6...سنة من تاريخ البشرية ويبدأ ملكوت الله."(( 63)) ومنذئذٍ راح الشهود يكرزون بكل قواهم بهذه النبوّة الجديدة غير مبالين بنبوّاتهم الماضية، وضاربين صفحاً عن أيّة عبرة للتوبة.

في 30/8/1975 عُقد مؤتمر آخر لشهود يهوه في ألمانيا، فكان لهم ما أرادوا، إذ أصرّ "النبي" فرانس في خطابه على صدق نبوّته وحثّ أتباعه على تحضير نفوسهم للعيش في ملكوت الله. وتصوّر معي أيها القارئ الكريم، شهود يهوه جالسين في منازلهم يترقّبون ساعة الصفر. قلوبهم تخفق بشدّة وأعينهم تنظر عبر النوافذ مترقبة الحدث المجيد: مجيء المسيح الذي يصحبه تزعزع السموات والأرض. فتغيب الشمس ويسودّ الليل ويبزغ الفجر، ولكن...المسيح لم يأت! في صباح اليوم التالي اضطر فرانس إلى مراجعة حساباته فتبيّن له أن المسيح لا يأتي في 5أيلول، بل ما بين 18 و19 منه. وطبعاً في هذا أيضاً لم يصدق "النبي".

أمام كلّ هذه التنبؤات غير الصادقة نسائل أنفسنا: ما هي التسمية التي تجوز على شهود يهوه، هل هم "أنبياء الله" أم "الأنبياء الذين يرون الباطل والذين يعرفون بالكذب" (حزقيال 13: 9)؟ لقد تبيّن لنا عدم أهليّتهم للأولى، ولذا لا مفرّ لنا من اختيار الثانية.

3- كيف يأتي المسيح؟

1) قالوا: "عند رجوعه لا يأتي المسيح على الأرض. ولكن الذين يحكمون معه –أي قادة الجمعية- يؤخذون ليحيوا معه في السماء...فرجوع المسيح لا يعني عودته ثانية إلى الأرض حرفياً. لكن يعني تسلّم سلطة الملكوت في هذه الأرض...ففي السنة 1914 حان الوقت عند الله ليرجع ويبتدئ الحكم." ((64))

الرد: إن كان المسيح قد جاء ثانية وابتدأ بالحكم فعلاً كما يدّعون، فلماذا بقي قادتهم على الأرض ولم يذهبوا إلى السماء للحكم معه؟ ألعلّ مسؤولياتهم الجسيمة على الأرض تحول دون ذلك؟

وللرد على تعليمهم هذا، أكتفي باقتباس نص واحد من كلمة الله يغنينا عن كل شرح وتفسير، إذ فيه يعلن لنا الوحي بكلّ وضوح كيفية عودة المسيح. "ولمّا قال (يسوع) هذا ارتفع عنهم وهم ينظرون. وأخذته سحابة عن أعينهم. وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض وقالا: أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء" (أعمال 1: 9- 11). فهل يلزمنا بعد أن نشك في عودة الرب المنظورة؟

2) اعتراض: "لقد رأوه منطلقاً ولكنهم لم يروه راجعاً. إنّ كلمة الملاكين "هكذا" لا تقول في نفس الجسد...فقد أخذته سحابة عن أعينهم بحيث صار غير منظور.وهكذا سيكون رجوعه غير منظور – في جسمه الروحاني صعد المسيح إلى السماء. وهكذا يكون رجوعه أيضاً غير منظور في جسم روحاني." ((65))

الرد: إن كلمة "هكذا" تُفهم بمعناها الحرفي التام وذلك للأسباب التالية:

1- لقد قام الرب من الأموات بالجسد –كما تأكّد لنا في ما سلف- وهو لم يكن شبحاً أو روحاً. وعليه، يكون قد صعد إلى السماء في الجسد نفسه، كما أنه سيعود منها هكذا.

2- يقول النص إنّه انطلق إلى السماء من على جبل الزيتون، ويؤكّد الوحي أنّه في عودته سينزل على الجبل عينه (زكريا14: 4).

3- إنّ التلاميذ كانوا ينظرونه؛ ويقول الوحي بصريح العبارة إنّ الناس سينظرونه في عودته: "ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير" (متى 24: 30).

4- وصعوده على السحابة ليس البتة دليلاً على عودة غير منظورة، لكنه يشير إلى عودته مع السحاب في مشهد الصعود ذاته: "هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كلُّ عين..." (رؤيا1: 7).

3) اعتراض: "وهنا يتحدّث الكتاب المقدس عن الرؤية، لا بالعيون الطبيعية، بل بمعنى التمييز والإدراك...ولذلك فإنّ عبارة "ستنظره كلّ عين" تعني أنّ كلّ فرد سيفهم أو يدرك أنّ المسيح حاضر – إن الكلمة اليونانية "مجيء" المترجمة هنا الواردة في متى 24: 3 "ما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر" هي "باروسيا" وتعني حضور." ((66))

الرد: إن تفسيرهم المجازي للعبارة "ستنظره كلُّ عين"، وإن كان يغيّر في كيفية مجيء المسيح وكيفية رؤية الناس له لا يقدر على تغيير حقيقة رؤية جميع الناس له، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بالعين الذهنية. وبما أنهم اعترفوا في اعتراضهم، أنّ كلّ فرد سيُدرك حضور المسيح، نسألهم بالتالي: من هم الذين أدركوا حضور المسيح سنة 1914 دون سواهم؟

وبتفسيرهم للكلمة اليونانية "باروسيا" يُظهرون –كعادتهم في التفسير- نصف الحقيقة ويخفون نصفها الآخر. فالكلمة تعني "مجيء" علاوة على معناها "حضور"؛ لكنها في الحديث عن عودة المسيح تعني حرفيّاً مجيئه إلى العالم وليس حضوره غير المنظور. فالمسيح كان في كلّ عصر وزمان حاضراً في عالمنا وبشكل خاص، في كنيسته. وقد وعد المؤمنين به بالمكوث معهم إلى انقضاء الدهر (متى28: 20). كما إنّه أكّد أيضاً أنّه حيثما اجتمع اثنان ؟أو ثلاثة باسمه فهناك يكون هناك في وسطهم (متى 18: 20). لذا فإنّ رجاء المؤمنين الأعظم يعبّرون عنه بالقول: "ولكن نعلم أنّه متى أُظهر (المسيح) نكون مثله لأننا سنراه كما هو. وكلّ من عنده هذا الرجاء به، يطهّر نفسه كما هو طاهر" (1يوحنا3: 2 و3).

3- من يحكم العالم اليوم؟

قسّم رصل الزمن من بداية الخليقة إلى حلول ملكوت الله إلى ثلاثة عصور . يمتد العصر الأول من الخلق حتى الطوفان (4128- 2473ق م) وقد حكمته الملائكة. ويمتد الثاني من الطوفان حتى 1914 وقد حكمه الشيطان. أما الثالث الذي يبدأ سنة1914 إلى ما لا نهاية، وهو العصر الذي تكاثر فيه الشر وتفاقم فيه الفساد، فقد أسنده إلى حكم الله. لكن، لماذا ما زال شهود يهوه يتمسّكون بسنة 1914 كموعد لحلول ملكوت الله رغم اعتراف معلّمهم بعدم صحة هذا الرقم؟ الجواب بكل بساطة: إنّ حسابات رصل بالأمس تختلف جذرياً عن حسابات أتباعه اليوم. وهذا ما أود أن أعرضه الآن بشيء من التفصيل لكونه المحور الذي تدور حوله كرازتهم، إذ استطاعوا بنظريتهم الحسابية عن زمن النهاية تضليل الناس وكسب آلاف النفوس إلى صفوفهم.

إذاً لإبطال زعمهم كلياً أذكر بعض الفروق القائمة بين الملكوت الذي يدّعون أنّه انبثق سنة 1914 وبين ملكوت الله:

1- اختلاف في كيفية حلوله: إنّ حلول ملكوت الله تسبقه حوادث وعلامات عديدة منها:

أ- خطف القديسين الأحياء وقيامة القديسين الأموات لملاقاة الرب (1تسالونيكي4: 16 و17).

ب- حلول ضيق عظيم على الأرض (متى24: 21).

ج- ظهور المسيح (متى24: 30).

د- دينونة الشعوب (متى25: 31 و32).

وبما أن شيئاً من هذه الأمور لم يحصل، لا يُعقل أن يكون الملكوت الذي ينادون به هو ذاته ملكوت الله.

2- اختلاف في طبيعته: إن طبيعة ملكوت 1914 موسومة بالشر والوحشية عكس ملكوت الله الذي يتّسم بالبرّ والسلام، حيث لا حروب (أشعياء 2: 4)، ولا خطاة (أشعياء29: 20 و21)، ولا موت (أشعياء 25: 8)، وجميع الشعوب تعبد الرب (زكريا 8: 22). فلو كانت هذه العلامات ظاهرة اليوم لجاز لنا الاعتقاد بسيادة ملكوت المسيح سنة 1914 على الأرض.

3- اختلاف في كيفية دخوله: يضع برج المراقبة شرطين أساسيين لدخول ملكوت هذه المنظّمة: المعرفة عن شرائع الملكوت والسلوك الحسن((68)). بينما يوضح الرب: "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يوحنا 3: 3). هذه الولادة تتم بواسطة الإيمان القلبي العميق بذبيحة المسيح، وعندئذٍ يصبح الإنسان مِلكَ المسيح في العالم الحاضر وفي الآتي. فالمسيح لم يأتِ ليسود على عروش أرضية بل على عرش القلب. فبما أنّ ملكوت 1914 لا يحتاج إلى ولادة جديدة، لا يمكن بالتالي أن يكون هو نفسه ملكوت الله.

4- سكان السماء وسكان الأرض

تقسّم جمعية برج المراقبة رعاياها إلى فريقين: فريق رجاؤه العيش مع المسيح في السماء، ويسمّى "القطيع الصغير" (لوقا 12: 32) و"الأبكار"1440... (رؤيا 7: 4). وفريق آخر رجاؤه العيش في الفردوس على الأرض، ويسمّى "الجمع الكثير" (رؤيا 7: 9) و"الخراف الاُخَر" (يوحنا 10: 16).

قالوا عن الفريق السماوي: "بدلاً من أن يذهب جميع الناس الصالحين إلى السماء، يوضح الكتاب المقدس أنّ 1440... فقط من الأشخاص المجرّبين الأمناء سيذهبون إلى هناك ليحكموا مع المسيح؛ ولماذا هؤلاء فقط؟ هكذا تفعل حكومات اليوم، فإنّ المختارين إلى المجلس النيابي قليلو العدد، لأنّ هؤلاء وحدهم مولودون من روح الله، ولأنّ يهوه قد برّرهم بالإيمان به. فبما أنّ هؤلاء الـ1440... قد فعلوا ما هو حسن في هذه الحياة، وبرهنوا على الأمانة، فهم أهلٌ للجلوس على عروش سماوية مع المسيح. هذا، ومعظم هؤلاء هم الآن في السموات، أما بقيّتهم التي ما تزال على الأرض، فتؤلف صف "العبد الأمين الحكيم"...ولهؤلاء وحدهم الحقّ في تناول عشاء الرب." ((69))

وعن الفريق الأرضي قالوا: "وهذا الجمع الكثير الذي لا يُحصى، غير المختومين على جباههم بختم الله الحي، ليسوا في العهد الجديد الذي توسّطه يسوع المسيح...ليست لهم آمال سماوية...لم يولدوا ليكونوا أبناء الله الروحيين...لم يمسحهم الله كوارثين مقبولين مع المسيح في ملكوته السماوي...كل الأنبياء قبل المسيح...لم يوضع أمامهم أي رجاء سماوي." ((7.))

لا بدّ لي من كلمة مختصرة حول البواعث والأغراض من هذا التعليم الغريب قبل الردِّ عليه. لقد علّم رصل وخليفته رذرفورد بأنّ عدد المخلّصين من البشر هو144000 لا غير، لكن عندما ازداد عدد المشايعين بما يفوق هذا الرقم بنسبة كبيرة، وجب على رذرفورد ابتداع رجاء آخر للأعضاء الجدد لكي يخرج من المأزق. وقد أُعلن الرجاء الجديد سنة 1935 في مؤتمر واشنطن. وإليك الحادثة كما وصفوها: "عُقد محفل لخمسة أيام لشهود يهوه المسيحيين في واشنطن. ... عي إلى هذا المحفل أشخاص لم تكن لهم آمال سماوية، فكان فرحهم عظيماً في محفل واشنطن، عندما ناقش رئيس جمعية برج المراقبة موضوع الجمع الكثير المذكور في رؤيا 7: 9-17، وأوضح أنّ الجمع لم يكن صفاً روحيّاً أو مولوداً من الروح، بل صفّاً أرضيّاً. وعلى أثر هذا الإيضاح في الرجاء الأرضي، غمرت قلوبهم الحماسة فرحّبوا بهذا الرجاء بتصفيق حادّ." ((71))

الرد:

1- إنّ كلمة الله لا تُحدّد عدد الداخلين إلى السماء ولا عدد المولودين من روح الله، بل تقول: "كلُّ من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد وُلد من الله" (1يوحنا 5: 1)، "وأمّا كلُّ الذين قبلوه (أي المسيح) فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله ...." (يوحنا 1: 12). ثم لا ينص سفر الرؤيا على أنّ دخول الـ1440... إلى السماء متوقّف على أمانتهم، بل لأنّ الخروف قد اشتراهم بدمه الكريم. فأيّ إنسان ابتغى الدخول إلى السماء، إن كان من قادة برج المراقبة أو غيرهم، عليه أولاً أن يغتسل بدماء المسيح. ذلك، لأنّ السماء "لن يدخلها شيء دنس" (رؤيا 21: 27) و"الشعب الساكن فيها مغفور الإثم" (أشعياء 33: 24).

2- إن الفريق الأرضي حسبما وصفوه محروم من كلِّ البركات التي يتمتّع بها المؤمنون بالمسيح، المذكور عنهم أنهم تبرّروا بالإيمان بكفّارة المسيح (رومية 3: 21- 28)، وأنهم اشتُروا لله بدم الحمل (رؤيا 5: 9)، مختومين بالروح القدس (أفسس 1: 13)، مولودين من روح الله (1بطرس 1: 3)، ووارثين مع المسيح (رومية 8: 17). وهكذا نتحقّق بأنّ الذين دعاهم رذرفورد ليعيشوا في الفردوس الأرضي ما زالوا خطاة غير تائبين في نظر الله ولا علاقة لهم لا من بعيد ولا من قريب بجماعة المؤمنين الحقيقيين.

3- إنّ المسيح لم يبذل نفسه فدية عن 144ألفاً، بل عن البشرية جمعاء؛ وعليه يكون من حق جميع الذين آمنوا بموته وقيامته أن يدخلوا السماء وأن يتناولوا عشاء الرب ليتذكّروا موته البديلي.

4- يعلّم الكتاب المقدس بأنّ الجمع الكثير سيكون مع الأبكار الـ144000 في الأبدية: "بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير...واقفون أمام العرش وأمام الخروف..." (رؤيا 7: 9). وعرش الله هو في السماء وليس على الأرض.

5- وقولهم، إنّه لم يكن لأنبياء الله قديماً أيُّ رجاء سماوي، هو ادّعاء باطل، فالكتاب يقول عنهم: "في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدّقوها وحيّوها وأقرّوا بأنّهم غرباء ونزلاء على الأرض. فإنّ الذين يقولون مثل هذا يُظهرون أنّهم يطلبون وطناً...يبتغون وطناً أفضل أي سماوياً" (عبرانيين 11: 13 و14 و16).

6- إن اختلاف رعايا جمعية برج المراقبة في رجائهم لَهُو دليل قاطع على عدم انتمائهم إلى كنيسة المسيح، التي لها وصية تقول: "مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد وروح واحد كما دُعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد" (أفسس 4: 4). ورجاء الكنيسة وتعزيتها عبر العصور كانا في وعد سيّدها الأمين: "في بيت أبي منازلُ كثيرة... وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إليّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً" (يوحنا 14: 2 و3).

اعتراض: "وقوفهم أمام العرش (باليونانية"على مرأى من العرش") الذي لله لا يتطلّب أن يكونوا في السماء فموقعهم هو فقط على مرأى من العرش." ((72))

نقول: إنّ اعتراضهم هو حجّة سخيفة لا يمكن أن يقنع بها قرّاء الكتاب المقدس. فعبارة "أمام العرش" لم ترد في الحديث عن الجمع الكثير فقط، بل في الحديث أيضاً عن الـ 144000 (رؤيا 14: 1-3). وعليه تكون حال أولئك كحال هؤلاء في الأبدية.