|

الفصل الرابع
شخصية الروح القدس
إنّ مفهوم شهود يهوه لشخصية الروح القدس هو أيضاً مخالف بالتمام لمفهوم المسيحيين أجمعين له. وكما جرّدوا ابن الله في أذهانهم من مجده وجلاله وأنزلوه إلى مستوى الملائكة والبشر، هكذا فعلوا بالروح القدس الذي هو واحد مع الآب والابن في الجوهر.
1- قوة فعّالة أم كائن حي؟
1) قالوا: "أمّا بالنسبة للروح القدس...فقد سبق ورأينا أنه ليس شخصاً، بل قوة الله الفعّالة." ((24))
قلنا: إن الروح القدس ليس مجرد قوة فعّالة أو تأثير أو طاقة ، وإنما أسمى من ذلك بكثير. فهو يتّصف بكل صفات الشخص العاقل، وما القوة إلا إحدى صفاته الكثيرة. وإليك بعض ألقابه وصفاته وأعماله، كما يذكرها الكتاب المقدس:
أ- ألقابه: روح الآب (متى 10: 20)، روح الابن (غلاطية 4: 6؛ 1 بطرس 1: 11)، روح الحياة (يوحنا 6: 63؛ رومية 8: 2)، روح الحق (يوحنا 15: 26)، روح الحكمة والإعلان (أفسس 1: 17)، روح المجد (1 بطرس 4: 14).
ب- صفاته: الحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة (أشعياء 11: 2)، ومن ثماره المحبة والفرح والسلام (غلاطية 5: 22).
ج- أعماله: يعزّي يعلّم ويذكّر ويرشد ويتكلّم ويبكّت ويمكث مع المؤمنين (يوحنا 14؛ 16و17و26؛ 16: 7و8)، ويحزن (أفسس 4: 30)، ويعمل في إحياء الخطاة وتجديدهم (تيطس 3: 5) يسكن في المؤمنين ويشهد لأرواحهم أنهم أبناء الله (رومية 8: 16).
أيجوز أن تكون هذه كلّها من خصائص قوة فعّالة أو طاقة كالكهرباء أو الماء أو الريح؟ طبعا،ً لا يمكن للقوة أن تملك المشاعر والأحاسيس التي للشخص العاقل، فتتكلّم وتحب وتحزن.
2) اعتراض: "عندما جعل الله ابنه يسوع المسيح يسكب الروح القدس على التلاميذ...فهل امتلأوا من شخص؟ كلاّ بل من قوة الله الفعّالة- أعمال 2: 4، 33." ((25))
الردّ: إن أهم وظائف الروح القدس على الأرض هي تمجيد المسيح في الكنيسة وتوحيد المؤمنين في عبادتهم. وهذه لا تتمّ إلا بسكناه فيهم، لذلك يقول الرسول: "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم..." (1كورنثوس 6: 19)، "وأمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكناً فيكم" (رومية 8: 9). لكن هذا الحق لا يروق معشر شهود يهوه لكونه يتعارض مع منطقهم البشري تماماً؛ وبدلاً من تغيير مفهومهم ليتوافق مع كلمة الله حرّفوا كلمة الله لتوافق مفهومهم. فحولّوا في ترجمتهم الخاصة للكتاب المقدس العبارات التي تقول إنّ "الله فينا" أو "المسيح فينا" أو "الروح القدس فينا" إلى العبارة "في شركة معنا". لكننا نسألهم للتوضيح: ماذا ينتفع الإنسان الميت من وجود كائن حي بقربه؟ هل يقدر أن يجعل الحياة تدبّ فيه؟ بالطبع لا. ولكن ماذا لو وضعنا حياة الحي في الميت، ألا يحيا بها؟ نعم بكل تأكيد. وهكذا أيضاً فإن وجود روح الله في شركة مع الناس الأموات بالذنوب والخطايا (أفسس 2: 1) لا ينفعهم أبداً. لكنهم محتاجون إلى سكناه فيهم لكي يحيوا.
2- الله روح والروح القدس هو الله
قالوا: "يخبرنا الكتاب المقدس...بأنّ الله روح (يوحنا 4: 24)...وقد أنجز الخليقة، لا بأدوات كالتي يستعملها الناس، بل بروحه القدوس، الذي هو قوّته الفعّالة غير المنظورة." ((26))
قلنا: إننا نرى في هذا الرأي عن ذات الله خليطاً من المسيحية والفلسفات الوثنية. ففي الشطر الأول من قولهم أقرّوا بالحق الكتابي أن "الله روح"، بينما نفوا في الشطر الثاني منه، أن الله كائن عاقل وذلك بقولهم عن روحه، التي هي ذاته، بأنها قوّة فعّالة. ثم نرى في قولهم محاولة لتجزئة ذات الله بفصل روحه عنه وجعلها قوة خارجة عنه استخدمها للخلق. وهم في ذلك يوافقون الغنوسيين وفلاسفة الإغريق كأفلاطون وأفلوطين وغيرهم في اعتقادهم أن قوة ما انبثقت عن الله وخلقت العالم المادي.
أما الكنيسة فقد آمنت بالله غير القابل للتغيّر والتفكّك في ذاته وتمسّكت بالحق القائل : "وأما الرب فهو الروح" (2كورنثوس 3: 17). كما آمنت بأنّ الروح هو نفسه الله، وليس قوة خارجة عنه. وهذا الإيمان هو مؤسّس على إعلانات الله في كتابه العزيز. وأشير هنا إلى بعض النصوص التي تتجلّى فيها منزلة الروح القدس كالله القدير:
- "فقال بطرس ياحنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس...أنت لم تكذب على الناس بل على الله" (أعمال 5: 3و4). واضحٌ إذاً، أن الذي كذب عليه حنانيا لم يكن مجرّد قوة، بل الروح القدس – الله.
- حذّر موسى الشعب قديماً من العصيان والتمرّد على الله فقال لهم: "لأني أنا عارف تمرّدكم ورقابكم الصلبة...قد صرتم تقاومون الرب..." (تثنية 31: 27). لكن عندما وقف استفانوس أمام المجمع اليهودي وذكّرهم بعصيان آبائهم هذا، جعل الروح القدس موضع الله بالقول: "...أنتم دائماً تقاومون الروح القدس. كما كان آباؤكم كذلك أنتم" (أعمال 7: 51). فهذا أيضاً كبطرس الذي أشرنا إليه من قبل لم يفرّق بين الله وروحه إذ أنهما ذات واحدة وجوهر واحد.
- يصف أشعياء ظهور الرب له، فيقول: "ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا. فقلت هأنذا أرسلني. فقال اذهب وقل لهذا الشعب..." (أشعياء 6: 8 و9). لكن حين أشار الرسول بولس إلى هذا النص لم يقل: "كلّم الله آباءنا"، بل "...حسناً كلّم الروح القدس آباءنا بأشعياء النبي قائلاً: اذهب إلى هذا الشعب وقل..." (أعمال 28: 25 و26). فبولس أيضاً، كبقية الرسل والتلاميذ آمن بأن الروح القدس هو الله ذاته. وهذا الإيمان المبارك عينه سلّمه الرسل لمؤمني العصور اللاحقة إلى أن وصل إلينا. فنحن نتمسّك بإعلانات الله "كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة" (لوقا 1: 2).
- تكلّم الرب يسوع، له المجد، عن الروح القدس بصفته "المعزّي" الذي يرسله إلينا من عند الآب (يوحنا 14: 26). والمعروف أنّ تعزية المؤمنين عمل خاص بالله وحده، الذي هو "أبو الرأفة وإله كلّ تعزية الذي يعزّينا في كلّ ضيقتنا" (2 كورنثوس 1: 3 و4). وقد قال جلّ اسمه: "أنا أنا معزّيكم" (أشعياء 51: 12). فلا ريب إذاً أبداً بأن الروح القدس المعزّي هو شخص الله ذاته. وما يؤكّد لنا هذا الحق أيضاً هو استخدام المسيح الفعل "أتى" في كلامه عن المعزّي (يوحنا 16: 7). وفي هذا برهان آخر على إنه شخص وليس مجرد قوة.
- اقتبسنا في ما سلف آيات تدلّ على سكنى الروح القدس في المؤمنين بالمسيح. والوحي يوضح في أماكن أخرى أنّ الساكن في المؤمنين هو الله، فيقول: "فإنّكم أنتم هيكل الله الحي كما قال الله إني سأسكن فيهم..." (2 كورنثوس 6: 16). إذاً الروح القدس هو أيضاً الله.
- وقد حاز الروح القدس الصفات والأمجاد التي يملكها الآب والابن. فهو "الرب" (2 كورنثوس 3: 17 و18)، "الأزلي" (عبرانيين 9: 14)، "القدير" (زكريا 4: 6)، "الحق" (1 يوحنا 5: 6)، "الحي" (2 كورنثوس 3: 3)، "العليم بكل شيء" (1 كورنثوس 2: 10)، "الموجود في كل مكان" (مزمور 139: 7 و8).
أمام هذه الإعلانات الكتابية عن شخصية الروح القدس لا يبقى أيّ مجال للشك أو للاعتراض على كونه الله ذاته. وعليه تكون دعوى الشهود، بأنّ المسيحيين نسبوا اللاهوت للروح القدس بقصد تثبيت عقيدة الثالوث، محض افتراء.

|