الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :   تفاسير وشروحات الكتاب المقدس   تفسير سفر أعمال الرسل


 

5- انسكاب الروح القدس

في عيد الخمسين

(2: 1 – 13)

الإصحاح الثاني " 1وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ 2وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ 3وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. 4وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا."

          ماذا تفكر أن يحدث، لو تسقط الشمس على الرض؟ إن هذه الكتلة النارية الغازية الضخمة، إن اقتربت قليلاً إلى كرتنا الأرضية الصغيرة، تحترق ومن عليهاز فكم بالحري إذا سقطت فإننا نتبخر في لمح البصر. لكن الان لم تات هذه الشمس المخلوقة، بل قد جاء الخالق نفسه كعاصفة نارية على الأرض. ولم يدن البشر، بل رحم المنتظرين. الله يأتي إلى الناس ومن يفهم يسجد. وأكثر من ذلك، فالله يحل في إنسان. ولا يستطيع العقل إدراك هذه الحقيقة. فنطلب إليك أن تقرأ قصة ولادة الكنيسة كلمة كلمة بتمهل، فترى كيف أن محبة الله وصبره ونعمته دخلت دنيانا الشريرة.

          عيد الخمسين كان عيداً قديماً يحتفل به اليهود في اليوم الخمسين بعد عيد الفصح كعيد شكر لحصاد القمح. فالمسيح أشبه حبة القمح الذي سقط إلى الأرض ومات. وهو في قيامته من بين الأموات كان كالغمر الأول المقدم لله المرضي عنده. والتلاميذ المجتمعون المصلون أشبهوا البداية جارياً. كلنا نبتنا من حبة القمح وهو المسيح، ونحصد اليوم ما زرعه الرب وتمنى الأنبياء أن يروه، ولأن ابن الله قد مات فقد أتى الروح القدس إلى العالم.

          لم يأت روح النعمة ورحمة النور لكل الناس. كانت مدينة أورشليم عاصمة، ولكن عاصفة محبة الله وصلت فقط إلى المصلين، الذين أحبوا المسيح. فلم تلامس قوة الله الهيكل. وجيوش الرومان بقوا بدون حياة أبدية، إلا الذين انتظروا قلباً ونفساً واحدة موعد الآب. فهم الذين امتلأوا من روح القوة.

          في الأغلب أن أكثر من مائة رجل وامرأة من التلاميذ وعائلة يسوع كانوا في الابتداء مندهشين وفزعين، لما سمعوا فجأة من السماء، التي ارتفع يسوع إليها، ضجيجاً كعاصفة مشتدة أكثر فأكثر. وبدون أن تهتز الشبابيك وتنخبط الدرف الخشبية، وبدون أن تتحرك أوراق الأشجار، دخل فجأة هذا الصوت العاصف إلى دارهم، وملأ البيت كله، وكل الغرف، حتى الحوش. فجلسوا مندهشين مفتوحي الأعين والآذان، لأنهم لم يشعروا بالعاصفة، بل سمعوها بآذانهم واضحة. ولما حدث هذا كانوا في صلاتهم، وفتحوا قلوبهم للرب، فحلت قوته عليهم. فرأوا بغتة بعيونهم شيئاً كألسنة نارية تمطر من الهواء العاصف. ولكن هذه الألسنة لم تتراقص مضطربة في الجو، ولم تحرق البيت والأثاث ولا ملابسهم، بل استقرت بهدوء عظيم على المؤمنين المصلين. وهذه الألسنة النارية الغريبة العنصر تدلنا على ما قصد يسوع بواسطتها. فكانت للتلاميذ السنة طبيعية مفعمة الكذب والنجاسة والحكم الإنسانية، وعليها أن تحترق وتزول. وعوضاً عنها يمنحهم الله ألسنة نارية قوية، ناطقة بالمحبة الإلهية.

          عند ذاك شعر كل الممتلئين بروح الرب بفرح عظيم وفرح عميق. فثقل خطاياهم سقط عنهم، وصدرهم انفتح، وكآبتهم زالت. وأعينهم المبهورة أصبحت لامعة. وأفواههم المتجمدة انفتحت لحمد الله فصرخوا: يا أبتاه، قد أصبحت بموت ابنك أبانا. ودمه غفر ذنوبنا. وروحه حل فينا نحن غير المستحقين ويقدسنا تماماً. فنعظمك ونسبحك، لأنك أحييتنا لمجد نعمتك.

          إن عاصفة محبة الله سببت عاصفة الشكر، وأجرت كلمات مقدسة وافكاراً سماوية غير معروفة لديهم من شفتيهم، فالروح القدس أرشد تكلمهم، وملأ أفكارهم، وبارك إرادتهم. فلم يتحمسوا بشرياً، بل امتلأوا من الروح القدس، الذي يستخدم العقول وضبط النفس أيضاً. فهكذا أصبح الجميع معاً هيكل روح الله لأن قوته وفضائله حضرت.

          انتبه! لم يمتلئ بطرس ويوحنا فقط من الروح القدس، بل كل الحضور. ولم يشعروا بألم من العاصفة افلهية الممطرة ألسنة نارية. بل قد أحاطهم رحاب الله، وحقق موعد الآب، وأصبح المصلون أولاد الله، متبنين وممتلئين من جوهر محبته وحقه ومسرته. وبالحق نسمي عيد الخمسين عيد العنصرة أيضاً لأن عنصراً جديداً إلهياً من خارج العالم قد دخل إلى عالمنا الميت. فابتدأ الرجاء والنهضة الروحية في هذا البيت في القدس. وفاق الحمد المشترك والتسبيح العام شكراً للثالوث القدوس.

الصلاة: أيها الآب، نشكرك، لأن ابنك الحبيب حمل ذنوبنا على الصليب، وجعلنا اهلاً لحلول روحك القدوس. املأنا وكنيستنا بحضورك، لتضمحل ذنوبنا وهمومنا نهائياً، ويعبر حمدنا المشترك عن فرحنا وشكرنا العميق.

السؤال:

9-              كيف أظهر الروح القدس ذاته في عيد العنصرة؟

"2: 5وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. 6فَلَمَّا صَارَ هَذَا الصَّوْتُ اجْتَمَعَ الْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ. 7فَبُهِتَ الْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «أَتُرَى لَيْسَ جَمِيعُ هَؤُلاَءِ الْمُتَكَلِّمِينَ جَلِيلِيِّينَ؟ 8فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا: 9فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلاَمِيُّونَ وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَالْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا 10وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ وَالرُّومَانِيُّونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاَءُ 11كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ اللهِ؟». 12فَتَحَيَّرَ الْجَمِيعُ وَارْتَابُوا قَائلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا؟». 13وَكَانَ آخَرُونَ يَسْتَهْزِئُونَ قَائِلِينَ: «إِنَّهُمْ قَدِ امْتَلأُوا سُلاَفَةً»."

          هل تريد أن تعرف ماذا تكلم الرسل في قوة الألسنة النارية؟ فاقرأ العدد 12، فتتعلم أنهم لم يتكلموا إلا بعظائم الله. فشكروا خالقهم لخلقه، وحمدوا صبره على بني البشر المجرمين. وعظموا ناموسه المقدس وشكروه لإعلان مشيئته في الأنبياء. وقد سجدوا للآب القدوس لأجل ولادة ابنه يسوع وتانسه. وابتهجوا بمحبته المتجسدة المعروفة لديهم التي شاهدوها وسمعوها. فسبحوا الرب لأجل عجائبه وأعادوا أقواله. وسجدوا له لأجل موته على الصليب وقيامته من بين الأموات. ان التلاميذ عظموا الله لأجل التقائهم بالمسيح الحي وفرحوا لأجل صعوده إلى السماء. وشكروا الآب لاتيان الروح القدس وتهللوا لأجل اتمام النبوة المنتظرة. وقد آمنوا بضرورة تبشير العالم وامتلأوا بمشيئة الله لينقلوا الخلاص للبشر. هل تنسجم بتسبيح عظائم اللله؟ أين شكرك؟ هل تكرم نفسك؟ أو تعظم الرب؟ انس اسمك، وكرم أباك في السماء وحده.

وذلك الجو المنسجم من الحمد والهدوء في الصلاة والقداسة لم يستمر طويلاً، إذ سمع كثيرون من منتظري الرب صوت عاصفة المحبة، فتراكضوا إلى المكان حيث نزلت العاصفة، ووقفوا ينظرون حيارى، لأنهم سمعوا الجليليين يتكلمون بلغات مختلفة، رغم أنهم لم يسافروا خارج بلادهم، ولم يتعلموا في مدرسة اللغات. إن الروح الخالق قد غلب في عيد العنصرة نتيجة غضب الله، لما ضرب البشر وبلبل لغاتهم وقسمهم إلى شعوب، حتى ما عادوا يفهمون بعضم بعضاً. لقد حاولوا في استكبارهم أن يصلوا إلى مستوى الله برمز بناء برج بابل، الذي كان القصد منه أن يرتفع ويرتفع، حتى يصل إلى الله. أما الآن فغفر المسيح خطية استكبار أتباعه. فقدر روح وداعة المسيح وتواضعه أن يحل في قلوب المصلين. فلم يفكر أحد، أنه أفضل من الآخر، أو أذكى أو أعظم، بل القوي خضع للضعيف، والمحترم اعتبر نفسه أصغر الكل. فالروح القدس أعلن ذاته في المحبة رباط الكمال ووحد الناس المختلفين في جماعة الله. فأعلم أنه منذ عيد العنصرة قد سقطت الحدود بين الشعوب ولغاتهم وصفاتهم مبدئياً، ولا توجد درجات بين العبقري والمتأخر، بل الكل واحد في الله، لأن أعظم المواهب وهي الروح القدس قد رفعت الفانين إلى مستوى الآب الأزلي، وقدستهم بدم المسيح، ليصبحوا قديسين بلا لوم قدامه في المحبة.

          وفي عيد العنصرة ذلك، كان ممثلو الشعوب الكثيرة مجتمعين في أورشليم، ليحتفلوا في مسكن الله شكراً للحصاد. فتراكض يهود من بلاد الفارس، ومن بين النهرين، ومن آسيا الصغرى، وإفريقيا الشمالية، ومن إيطاليا، ومن كريت. وكلهم سمعوا من الكلمات الجليلية صوت الله متكلماً في لغتهم الوطنية. فكانت أعجوبة عيد العنصرة مثلثة: أولاً سماع العاصفة. ثانياً رؤية السنة النيران. ثالثاً فهم اللغة الجليلية. فالله نفسه كان مترجماً للألسنة في هذا العيد.

          ونفرح خصوصاً لأن من بين المستمعين كان ممثلون من مصر ومن أبناء العرب. فعبر الروح القدس منذ أول ساعة ظهوره عن الخلاص العظيم باللغة العربية والقبطية. فليست هاتان اللغتان عليه صعبة ولا غريبة، إنه يملأهما بمحبته ويغلب معانيهما بقداسته. فهل تسجد لله الثالوث في لغتك العربية؟ سلم له لسانك وقلبك وعزمك وكل قدرتك، فتثبت في فرح حمد الله.

          ولكن يا للعجب‍ فالمتراكضون سرعان ما انقسموا إلى فرقتين متأملين ومستهزئين. الأولون أرادوا اختبار سر الروح القدس. والآخرون سموا التكلم بفرح الله كهذيان السكارى. ولربما عرفوا هذه الحالة النجسة التي اتهموا فيها الرسل من اختباراتهم الخاصة بأنفسهم، ولكن حرية فرح الله لم يعرفوها فبقيت قوة المحبة الأزلية مستترة عليهم وقلبهم تقسى أكثر فأكثر إلى البغضة.

الصلاة: باركي يا نفسي الرب، وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس.

        باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته.

        الذي يغفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كل أمراضك.

        الذي يفدي من الحفرة حياتك. الذي يكللك بالرحمة والرأفة.

        الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك.

                                                          (مزمور 103: 1 – 5).

السؤال:

10- ما الذي علمه الروح القدس للرسل أن ينطقوه؟