الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :   تفاسير وشروحات الكتاب المقدس   تفسير سفر أعمال الرسل


 

4- اختيار رسول

بديل عن يهوذا الخاطئ

(1: 15 – 26)

"1: 15وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ قَامَ بُطْرُسُ فِي وَسَطِ التَّلاَمِيذِ وَكَانَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ مَعاً نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ: 16«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ عَنْ يَهُوذَا الَّذِي صَارَ دَلِيلاً لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ 17إِذْ كَانَ مَعْدُوداً بَيْنَنَا وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ فِي هَذِهِ الْخِدْمَةِ. 18فَإِنَّ هَذَا اقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. 19وَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ حَتَّى دُعِيَ ذَلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ «حَقْلَ دَمَا» (أَيْ: حَقْلَ دَمٍ). 20لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَاباً وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آخَرُ."

          شركة تلاميذ يسوع الحيوية تزعزعت خلال أيام قليلة بحادثتين مرعبتين، فقد انقض عليهم موت سيدهم على الصليب في سبيل الفداء لكل الناس مؤلماً. وبنفس الوقت اهتزوا لانتحار يهوذا يأساً من خيانته. فالأول سكن فيه ملء اللاهوت جسدياً، وفي الثاني حل الشيطان ولبسه. فيا أيها الأخ، اختر طريقك. هل تريد تضحية حياتك في سبيل روح الله لأجل خطاة كثيرين، أو تريد أن تموت خاطئاً يائساً وخائفاً في دينونة الله الغاضبة؟

          وقد شعر الرسل أن موت يهوذا، انقصهم واحداً من العدد اللازم. لأن الرب دعاهم ليبشروا الأسباط الاثني عشر لأمتهم، ويدينهم في اليوم الخير إن لم يؤمنوا. فاجتمعوا واختاروا عوضاً عن ذلك الخائن، أحد أتباع يسوع الأمناء الذين كانوا شهود عيان ليحل محله. وهكذا جمعوا قراية المائة والعشرين رجلاً، الذين كانوا يعرفون بعضهم. فاجتمعوا للصلاة، وانتظروا موعد الآب. ما أروع ذلك الاجتماع!

          ووقف بطرس في وسطهم لقيادة الاجتماع. والكل عرفوه كمنكر المسيح، وبينوا إنكاره صراحة في الأناجيل الأربعة. ولكنهم عرفوا أيضاً أن يسوع غفر للتلميذ، الذي انسحق بالتوبة كل ذنوبهن واثبته قائداً عليهم بعد قيامته من الأموات. وإن في ذلك لدليل بارز على وجود روح الحق في الكنيسة الأولى، إنهم لم يداهنوا إنكار كبيرهم، ويصمتوا عنه وبنفس الوقت تجلى روح المحبة أيضاً فيها، لأنهم قبلوا الرسول المغفورة له خطاياه، بدون قيد أو انتقاد، وقبلوه كمسؤول عن الرعية. ويا للعجب! فها هوذا بطرس قائم وسط الاجتماع الكبير، بلا عقد نفسية ولعله قال: أنا موقن بأن الميح قبلني، وأنا أكبر خاطئ، وطهرني من كل ذنوبي، وفوضني لخدمته، أنا الفاشل. فلم يتكلم بطرس باسمه الخاص فيما بعد، ولم يعمل لنفسه، بل كل ما عمله وقاله كان لتمجيد ربه الحي.

          لم يتكلم بطرس كأسقف أو بابا، بل كشيخ أبر مع شيوخ آخرين بنفس المستوى. فسمى الرجال المجتمعين أخوة، لأن الله أبوهم. فليس لقب أعظم لا في السماء ولا على الرض من هذا اللقب الفريد "أخ" رمزاً للعلاقة في عائلة الله.

          ولقد فكر التلاميذ مصلين متأملين بنهاية يهوذا، الذي أصبح قائد أعداء الله، فسلم المسيح البار بحيلة إلى أيدي الظالمين. والتلاميذ تذكروا أيامهم، التي قضوها في رفقة يهوذا ضمن شركة يسوع. وكان يهوذا من لب ملكوت الله. وحصل من ربه على دعور ووظيفة وسلطة.وخدم الله مع بقية التلاميذ الآخرين مدة من الزمن.

          ولكن يهوذا هذا أحب المال. وكما كتب لوقا عنه، أنه لم يرفض رشوة الظلم، بل قبلها أخيراً. وأراد ضمان نفسه المضطربة، فاشترى خارج المدينة حقلاً واسعاً. ولكنه ما اطمأن، وشعر في ضميره بسياط ضربات الله، ويئس في وسوسات الشيطان المشتكية عليه. فركض وعلق نفسه منتحراً. والحبل الذي شنق نفسه به، انشق فسقط جسده نصف المشنوق من الشجرة على صخرة مروسة. فانشق بطنه واندلعت أمعاؤه. وعلم الطبيب لوقا من اختباراته، كيف يظهر مشهد مريع كهذا.

          وسمع كل سكان أورشليم هذه القصة، وشعروا بغضب الله على الخائن وابتعدوا عن هذا الحقل، لأنه كان مرطباً بالدم الملعون.

          إن الله علم خطية الخيانة من قبل في نفس الشرير، وحذره عدة مرات في عظاته، فلم يغن التحذير شيئاً، لأن يهوذا فضل قوة المال لضمان حياته، على قدرة ربه الحي. ففقدهما كليهما، حصته السماوية وحقله الرضي. ووظيفته أمام الله انتقلت لآخر. وبيته المشترى حديثاً أصبح خالياً. فانهدت الجدران، وصار للوطاويط مسكناً.

          ارتعب التلاميذ ارتعاباً عميقاً، لأنهم في العشاء الرباني ما كانوا متاكدين من أنفسهم، لما أعلن المسيح الخيانة، التي ستقع من أحدهم، فرأى كل نفسه بها جديراً. وأكثر من ذلك أنهم في صلواتهم المشتركة، ادركوا أن روح الله أبصر من زمان طريق الخائن. ولكن القدوس لم يرشد الخائن لخطيته، لأنه ليس إنسان ما مسيراً للخطية، وإنما الرب يخبره. فيهوذا قسى قلبه تجاه محبة المسيح، فمات في لعنة الله. هذا ما أنبأ به الروح القدس من قبل بألف سنة على فم الملك داود بكل وضوح. (مزمور 69: 26 و 109: 8).

          أيها الأخ لا تقسي قلبك ضد جذب روح الله بل وافق على تحرير القدوس لك من محبة المال وقيادته إياك للتضحية وخدمته. لا تطلب لنفسك ثروة وغنى وإكراماً وشرفاً وسلطة، بل اطلب التواضع والقناعة والوداعة والبساطة كما أن يسوع وتلاميذه عاشوا فقراء بالمال وأغنياء بروح الله.

الصلاة: يا رب اغفر لي محبتي للمال وأنانيتي وطمعي. وحررني لخدمة اسمك. وأن أتكل على عنايتك بي. وليملأ روحك القدوس نفسي وكل الأخوة، لنثبت في محبتك غير ساقطين في لعنة أبداً. آمين.

السؤال:

7-              ماذا تعلمت من موت يهوذا؟

"1: 21فَيَنْبَغِي أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا الرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ 22مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِداً مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ». 23فَأَقَامُوا اثْنَيْنِ: يُوسُفَ الَّذِي يُدْعَى بَارْسَابَا الْمُلَقَّبَ يُوسْتُسَ وَمَتِّيَاسَ. 24وَصَلَّوْا قَائِلِينَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ الْعَارِفُ قُلُوبَ الْجَمِيعِ عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هَذَيْنِ الاِثْنَيْنِ أَيّاً اخْتَرْتَهُ 25لِيَأْخُذَ قُرْعَةَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ وَالرِّسَالَةِ الَّتِي تَعَدَّاهَا يَهُوذَا لِيَذْهَبَ إِلَى مَكَانِهِ». 26ثُمَّ أَلْقَوْا قُرْعَتَهُمْ فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَتِّيَاسَ فَحُسِبَ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ رَسُولاً."

لم يتفلسف الرسل عن السبب الذي من أجله خان يهوذا سيده يسوع، بل آمنوا بدينونة الله العادلة. ولم ينظروا طويلاً إلى الوراء، ولم يقفوا متزعزعين في شعورهم، بل اتجهوا إلى الأمام، وفكروا بواجب تبشير العالم، وأرادوا بواسطة صلواتهم أن يطلبوا من يسوع، العدد الكامل لحلقتهم الرسولية، حتى لا ينقص هؤلاء المفوضون عندما ينسكب عليهم الروح القدس.

          وشرط الاختيار لتسمية إنسان ما رسولاً، هو مصاحبته ليسوع من البداية، حتى كان شاهد عين لأعماله وأقواله، مختبراً المقام من بين الأموات شخصياً. وبهذا بأن أن الاثني عشر تلميذاً لم يكونوا يتجولون لوحدهم مع يسوع، بل كثيرون أيضاً من أتباعه. كما أن يسوع أرسل إلى الجليل سبعين تلميذاً وفوضهم للخدمة. فحددوا الشروط للخدمة الرسولية بتشدد أكثر، حتى ينحصر الترشيح لهذه الخدمة بعدد قليل، ممن انضووا تحت لواء التلمذة عند يوحنا المعمدان، وتابعوا عنده واعترفوا أمامه بخطاياهم، منتظرين إجراء ملكوت الله. وحقاً فإن عدداً وفيراً من تلاميذ يوحنا هم الذين سمعوا نداءه القائل: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم. فتركوا معلمهم بمعمودية الماء لغفران الخطايا، وتبعوا المعلم الجديد الذي سيعمدهم بالروح القدس، ويثبتهم في أفراح العهد الجديد.

          ولربما نفكر أن من تبع يسوع بلا انقطاع أصبح إنساناً أفضل وأحكم من بقية البشر. ولكن سير التلاميذ يبرهن العكس. ليس إنسان يستطيع الإيمان الحق والمحبة الحارة والرجاء الممتد بدون الروح القدس. فسمع التلاميذ كلمات يسوع، ولكن قلوبهم بقيت مستكبرة. وقد رأوا مجده بعد قيامته، ولكنهم كانوا خالين من الحياة الأبدية، لأن الروح القدس لم يحل فيهم بعد. فبعض المفسرين يظنون أن الاختيار عوض يهوذا كان عملاً متسرعاً إنسانياً غير إلهي، لأن الرب اختار في حينه بولس رسولاً، الذي حصل على خدمة وسلطان يهوذا، ليبشر الأمم.

          ولكن التلاميذ الحد عشر، لم يفكروا أولاً بتبشير العالم، بل بتجديد قبائل شعبهم الاثنتي عشرة. فتصرف بطرس في انسجام مع بقية الرسل، ودعا إلى اجتماع كبير لاتباع يسوع، طالباً من الجميع تسمية المرشحين. وبعدئذ وضعوا الاختيار النهائي بين يدي الرب، الذي سموه عارف القلوب. فنرى أن بطرس لم يتصرف كاسقف في سلطان مطلق. وكذلك لم يجر الاختيار في الاجتماع بطريقة ديموقراطية حيث يقرر الأكثرية، بل الجميع تقدموا معاً إلى الله، طالبين منه الحكم الإلهي وتدخله مباشرة.

          وللحصول على صوت الله استخدموا قبل انسكاب الروح القدس القرعة. ولكن لما اختاروا بعدئذ الشمامسة السبعة أعطى الرسل إلى الكنيسة حق الاختيار كله. وحصل في أنطاكية أن الروح القدس بذاته اختار برنابا وبولس لخدمة  التبشير، بينما كان الشيوخ يصلون وهم صائمون طالبون تدخل المسيح وإرشاده. فبالحقيقة أن تاريخ أعمال الرسل هو تاريخ المسيح المقام من بين الأموات واعماله تحقيقاً لانتشار ملكوت الله. فلا نعيش في الكنيسة تحت سلطة بابوية، ولا في الديموقراطية السياسية، ولا في الديكتاتورية الاشتراكية، بل تحت إشراف المسيح المتحقق بقوة الروح القدس العامل في قلوب المؤمنين.

          ليتنا لا نعتمد في إسناد الخدمات الكنسية للشمامسة والشيوخ والمعاونين على عقلنا وإرادتنا وقدرتنا العائلية فحسب بل على الصلاة أولاً وأخيراً، لكي يختار يسوع هو بنفسه خدامه، ليس حسب أموالهم ومواهبهم الطبيعية أو مستواهم الاجتماعي، ولكن حسب مسرته وحدها. وعندئذ يجري عمل الرب، ويمتلئ خدام الرب من الروح القدس فليست الشهادات اللاهوتية، ولا العلاقة بالأحزاب، أو المدارس المذهبية، هي التي تؤمن نجاح قسيس أو شيخ أو أسقف، بل التقاؤه بالمسيح المقام من بين الأموات ودعوته مباشرة من قبله. فالذي يخدم الرب بدون هذه الدعوة مباشرة من قبله. فالذي يخدم الرب بدون هذه الدعوة معرض لخطر السقوط إلى جهنم حالاً.

          ولم يرد الرسل الأحد عشر أن يوزعوا خدمات وتفويض المسيح مستقلين، عالمين أن ليس إنسان يعرف القلوب ولا المزاج في المواهب ولا الأمانة في القليل. فصلى مائة وعشرون رجلاً معاً، ليختار الرب واحداً من المرشحين لخدمة النعمة، وليؤهله بالقوة لتنفيذ خدمته، لأنه إن لم يتدخل ابن اله في تعيين خادم الإنجيل، ستكون كل خدمته باطلة.

          ورشحوا لهذا المنصب اثنين، لم يصلنا عنهما علماً مفصلاً. وما عرفنا كيف أجريت القرعة بينهما. لكن هذه القرعة لم تقع على الأول المحترم، بل على متياس الغير المعروف، الذي دعي بهذا الاختيار إلى مسؤوليته كعضو في النخبة الرسولية. وقد ملأ المسيح في ما تلا ذلك من الأيام هذا البديل بروحه لالقدوس واثبت انضمامه إلى ملكوت الله. ولكننا لا نعرف شيئاً آخر عن متياس المختار.

الصلاة: أيها الرب، نشكرك، لأنك تدعو أنانساً غير مقتدرين للخدمة، وتدربهم وتفوضهم وتجهزهم وترسلهم وترافقهم وتنجحهم. فإن وجدنا نعمة قدام عينيك، فلا ترفضنا، بل كسر كبرياءنا وجددنا، لكي نخدمك ونحن الصاغر في قوتك لتمجيد اسمك.

السؤال:

8-              ما هي شروط الدخول إلى خدمة المسيح؟